**الطهارة الكاملة: حكم اغتسال المرأة من الجنابة دون غسل الشعر وكيفية الغسل الصحيح**
تُعدّ الطهارة من الأحداث الموجبة للغُسل (كالجنابة والحيض والنفاس) ركناً أساسياً لا تقوم العبادات بدونه في الشريعة الإسلامية. وقد أوجب الله تعالى على المُسلم تعميم الماء على جميع بدنه عند الغُسل من الجنابة بقوله: **﴿وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَٱطَّهَّرُواْ﴾** [المائدة: ٦]. وتثار تساؤلات كثيرة بين النساء حول حكم غسل شعر الرأس، خاصةً مع وجود الضفائر أو مشقة العناية بالشعر الطويل.
هذا المقال يفصّل حكم اغتسال المرأة من الجنابة دون غسل الشعر، ويُبيّن الصفة الكاملة والمُجزئة للغُسل الصحيح خطوة بخطوة، لضمان صحة الطهارة والعبادة.
### **المحور الأول: هل يجوز اغتسال المرأة من الجنابة دون غسيل الشعر؟ (حكم المسألة)**
الحكم الفقهي في هذه المسألة ينقسم إلى شقين، يتعلق أحدهما بأصول الشعر (فروة الرأس)، والآخر بما استرسل منه (بقية الشعر).
#### **1. وجوب إيصال الماء إلى أصول الشعر (فروة الرأس)**
اتفق علماء الأمة على وجوب إيصال الماء إلى بشرة الرأس (جلدته) في الغسل الواجب من الجنابة، سواء كان شعر المرأة كثيفاً أو خفيفاً.
* **الحكم:** **لا يجوز إطلاقاً** للمرأة أن تغتسل من الجنابة وتترك غسل أصول شعرها (فروة الرأس). إذا لم يصل الماء إلى جلدة الرأس، فإن الغُسل يكون غير صحيح، وتبقى المرأة على جنابتها، ولا تصح صلاتها. وذلك لأن الشعر يعد ساتراً للبشرة، والواجب تعميم الماء على كل موضع يمكن الوصول إليه.
**2. حكم نقض الضفائر وما استرسل من الشعر**
الخلاف الفقهي والاختلاف في الفهم يتركز في هذا الجزء، وهو ما يتعلق بـ “نقض الضفائر” و “غسل الشعر المسترسل”.
* **نقض الضفائر:** الراجح والمُفتى به عند جمهور الفقهاء (وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد) هو **عدم وجوب نقض المرأة لضفائرها** عند الغُسل من الجنابة، ولكن بشرط أن يصل الماء إلى أصول الشعر.
* **الدليل الشرعي:** حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: “يا رسول الله، إني امرأة أشدّ ضَفْرَ رأسي، أفأنقضه لغُسل الجنابة؟” فقال:
**«لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين»** (رواه مسلم).
* **التطبيق:** يكفي المرأة أن تصب الماء على رأسها ثلاث مرات، مع تخليل الشعر بأصابعها حتى تتيقن من وصول الماء إلى فروة الرأس. أما إذا كانت الضفائر مشدودة جداً بحيث تمنع وصول الماء إلى الأصول، ففي هذه الحالة يجب نقضها.
* **غسل الشعر المسترسل:** جمهور العلماء يرون أن غسل جميع الشعر، بما في ذلك ما استرسل منه، هو واجب في الغُسل، لأنه جزء من البدن، ولكن دون إلزام بنقض الضفائر طالما وصل الماء إلى أصول الشعر.
> **الخلاصة في حكم الشعر:** الغُسل من الجنابة دون غسيل الشعر (بالقدر الذي يمنع وصول الماء إلى الأصول) **باطل**. أما عدم نقض الضفائر مع ضمان وصول الماء إلى الجذور وغمر بقية الشعر، فهو **جائز** وعليه العمل، وذلك تيسيراً من الشريعة ودفعاً للمشقة. أما المشقة المعتادة في تجفيف الشعر أو حفظ تصفيفته فليست عذراً لترك الواجب الشرعي.
**المحور الثاني: كيفية الغُسل الصحيح للمرأة من الجنابة (خطوة بخطوة)**
هناك صفتان للغُسل: الصفة المُجزئة (الواجبة) والصفة الكاملة (المُستحبة) التي تتبع سُنة النبي صلى الله عليه وسلم.
#### **أولاً: الغُسل المُجزئ (الواجب)**
هو ما يتحقق به ركنان أساسيان:
1. **النية:** نية رفع الحدث الأكبر (الجنابة) بالقلب.
2. **تعميم البدن بالماء:** إفاضة الماء على جميع الجسد، بما في ذلك المضمضة والاستنشاق وأصول الشعر، بحيث يصل الماء إلى كل جزء من البدن.
*مَن اقتصرت على هذين الأمرين، صحّ غُسلها، وارتفع حدثها.*
**ثانياً: الغُسل الكامل (المسنون)**
وهو الصفة التي كان يغتسل بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الأفضل والأكمل:
| الخطوة | الإجراء | التوضيح والاستدلال |
| :— | :— | :— |
| **1. النية والتسمية** | نية الطهارة من الجنابة في القلب، ثم قول “بسم الله”. | النية شرط لصحة الغُسل، والتسمية سُنة عند الجمهور. |
| **2. غسل الكفين والفرج** | غسل الكفين ثلاث مرات، ثم غسل الفرج وما أصابه من أذى الجنابة باليد اليسرى. | هذا لتنظيف موضع الحدث قبل البدء بالوضوء. |
| **3.
غسل اليد بالتراب أو الصابون** | تنظيف اليد اليسرى التي غسلت الفرج بالماء والصابون (أو الطهارة بالتراب كما ورد في السنة) للتخلص مما علق بها من أذى. | تأكيد على النظافة والتعقيم. |
| **4. الوضوء الكامل** | الوضوء وضوءاً كاملاً كوضوء الصلاة، ويشمل المضمضة والاستنشاق، ويمكن تأخير غسل القدمين إلى نهاية الغُسل. | الغُسل الأكمل أن يُسبق بالوضوء؛ لحديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما. |
| **5. تخليل وغسل الرأس** | صبّ الماء على الرأس ثلاث مرات، مع تخليل أصول الشعر بالأصابع لتتأكد من وصول الماء إلى فروة الرأس. | المرأة هنا لا يجب عليها نقض ضفائرها لغُسل الجنابة، بل تكتفي بالحثوات الثلاث على الرأس وإيصال الماء للأصول. |
| **6. تعميم الجسد** | إفاضة الماء على سائر الجسد، والبدء بالشق الأيمن ثم الأيسر. ويُستحب دَلْكُ الجسد باليد أثناء صب الماء.
| يجب التأكد من وصول الماء إلى جميع ثنايا الجسم والمواضع المخفية (كالإبطين، والسرة، وما بين الأليتين). |
| **7. غسل القدمين** | إذا لم تكن المرأة قد غسلت قدميها مع الوضوء في البداية، فإنهما تُغسلان في مكان آخر نظيف بعد الانتهاء من الغُسل. | اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في حديث ميمونة رضي الله عنها. |
**خاتمة**
إن تحقيق الطهارة من الجنابة أمر يسير لا يستدعي المشقة، وقد يسّرت الشريعة على المرأة في مسألة شعرها، فأسقطت عنها وجوب نقض الضفائر في غُسل الجنابة رحمة بها، لكنها لم تسقط عنها وجوب غسل أصول الشعر، لأن هذا أساس الطهارة. فالغُسل الصحيح هو الذي يجمع بين نية رفع الحدث، وتعميم الماء على الجسد كاملاً بما في ذلك جلدة الرأس، وإلا ظلّت الطهارة ناقصة والعبادة غير صحيحة.


