جـ . ـراح القلوب بقلم احمد محمود شرقاوي

جـ,ـراح القلوب

من شوية سمعت زوجتي بتزعق كالعادة وبتختلق الف مشكلة معايا عشان بس تنكد عليا عيشتي رغم إن كل طلباتها مُجابة حرفيًا، ورغم إنها متجوزة طبيب جرَّاح وبيتكرم في مؤتمرات كبيرة وراجل ناجح جدا في شغله وفي حياته، ورغم إني من أيام الخطوبة ومفهمها إن شغلي بياخد كل وقتي وكانت موافقة جدا إلا إنها وبعد الجواز بقت بتتخانق على أتفه الأسباب تقريبًا وبقيت بحب أوضة العمليات أكتر الف مرة من أوضة النوم عشان ببعد فيها عن النكد والزن والكلام اللي يسم البدن.
ويمكن مش الشغل بس اللي واخد كل وقتي، بس أنا فيه حاجة بعملها بيني وبين ربنا ومش قادر أبطلها ومش هبطلها، أنا

 

تقريبًا نص العمليات اللي بعملها بتنازل فيها عن أجري بالكامل، وأوقات بدفع إيجار غرفة العمليات كمان للمريض، وده لأن فيه مرضى كتير أوي بيكونوا على جدول الانتظار عشان يعملوا عمليات القلب المفتوح على نفقة الدولة، وبيضطروا يستنوا سنة واتنين، وفيه حالات بتكون متقدرش تتحمل انتظار 3 شهور بس وإلا الحالة هتتدهور وهتحصل وفـ . ـاه، عشان كدا كنت بتكفل أنا ببعض الحالات وأعمل العملية بنفسي.
ورغم إني في الأول كنت بفضي نفسي لبيتي ومراتي إلا إني وبعد ما اكتشفت إني متجوز واحدة متتعاشرش قررت أوهب نفسي للشغل، كنت باجي من المستشفى العشاء أنام عشان أصحا قبل الفجر الحق أعمل العمليات في المستشفيات الخيرية على حسابي، وأرجع بعد الضهر نص ساعة أغير وأروح على المستشفى اللي شغال فيها أكمل جراحة، كانت فيه عمليات بتاخد مني 8 ساعات كاملين واقف فيهم بتعامل مع شرايين دقيقة جدا، وأي خطأ يعني مــ . ــوت حتمي للمريض،

 

 

بس في الفترة الأخيرة دي تعبت، تعبت من كل حاجة تقريبا، حتى الفيتامينات اللي كنت باخدها عشان التركيز مبقتش تأثر معايا إطلاقًا، وبقيت تعبان صحيًا ونفسيًا ومش قادر أعمل أي حاجة.
حتى لما مراتي لاحظت ده بدأت تشمت فيا وتقولي عشان أبطل العبط اللي بعمله ليل نهار ده، كانت تقصد طبعا العمليات المجانية، وفعلا وبعد ما التعب زاد أكتر وأكتر قررت أتوقف نهائي عن العمليات المجانية وأعمل العمليات اللي مُكلف بيها وبس واللي بتوفرلي عائد مادي كويس أوي، ورغم كدا بقت زوجتي مع الأيام بتبعد مش بتقرب، رغم إني تفرغت وقت اكتر عشانها، بقت باردة معايا في كل حاجة تقريبًا، عُزلة تامة وصلت إنها مبقتش تنام جمبي على فراش واحد.

 

وكملت حياتي كئيبة ومُملة، حالتي الصحية بتدهور مع الأيام ومش قادر أحدد السبب رغم إني طبيب جرَّاح، والتعب اللي بيجيلي بيكون ان قلبي بيدق بسرعة مع الوقت، انا عارف انها حالة إجهاد من المجهود الكبير اللي ببذله، بس حالات الإجهاد دي أنا واثق تماما إنها ممكن تسبب وفـ . ـاه مع الأسف.
لحد ما جه اليوم اللي كنت نازل فيه من المستشفى ولقيت واحدة ست بتنادي وبتجري ورايا، وقفت أكلمها لقتها بتقولي انها قاعدة مستنية من الفجر في الشارع عشان تقدر تشوفني وتتكلم معايا، وكان معاها ورق ابنها، شاب عنده 25 سنة تقريبا محتاج عملية قلب مفتوح وبتجري بقالها 6 شهور عشان تعملها على نفقة الدولة ومش عارفة.
قولتلها إني بطلت العمليات الخيرية واعتذرتلها، لقتها كانت هتبـ,ـوس على إيدي وقالتلي جملة غريبة أوي:
(اعملها وهطلب من ربنا يديك أجر العملية بعد ما تخلصها فورا وهتكون حاجة أغلى من الفلوس، حتى لو مـ,ـات في العـ,ـملية يابني بس نكون عملنا اللي علينا)

 

استغربت من قوة إيمانها اللي يخليها تقول جملة زي دي، وغصب عني اتوترت قدامها، عايز اعتذر ومش قادر قدام الست الكبيرة، ولما قرأت الحيرة في عنيا قالت:
– ربنا يابني مش هيسيبك طالما بتفرج كرب الغلابة وانا غلبانة أقف معايا الله يسترك
وغصب عني دمعت وخدت الورق ورقم تليفونها وقولتلها بعد تلت أيام بالظبط هيجيلك اتصال من المستشفى هتروحي انتي وابنك وكل حاجة هتكون جاهزة للعملية، لقتها ردت بثقة غريبة وقالت
(وزي ما اتفقنا الأجر هتاخده بعد العملية يابني)
وسبتها وانا مشغول بكلامها أوي، ايه هو الأجر اللي ممكن أخده بعد العملية، وفعلا وديت الورق للإدارة اللي استغربت إني رجعت للعمليات المجانية بس بلغتهم إنها عملية واحدة مش أكتر.

 

وفعلا وبعد تلت أيام كانت المستشفى كلمت المريض وأمه وجهزوهم للعمليات وحددوا الميعاد كمان وبلغوني بيه، ويوم العـ,ـملية الصبح وصلت المستشفى لقيت أم الشاب في انتظاري، كانت مبسوطة أوي وجايبة فطار معاها وحلفت لأفطر قبل ما أدخل العملية وفضلت تطبطب عليا زي العيل الصغير، معرفش ليه حسيت إن أمي الله يرحمها صحيت تاني.
دخلت العمليات لقيت الشاب قاعد على الترابيزة وخلاص هيتخدر، هزرت معاه شوية كنوع من أنواع التخفيف وبعدها جه دكتور التخدير وخدره، وبدأت العملية اللي كانت تعتبر من أخطر العمليات اللي عملتها في حياتي، تلت أوردة مسدودين وعضلة القلب ضعيفة جدا بسبب التأخير في العملية، ووسط مانا منهمك ومرهق وطقم التمريض كله كان بيجهز حاجات معينة لقيت واحد لابس كمامة وواقف ورايا وبيناولني المقص، كملت شغلي وانا مش مركز معاه عشان يتكلم ويقول
(ازيك يا دكتور)

 

بصتله بتعجب شديد، هو ده وقت تعارف، رديت عليه بتوتر من العمـ,ـلية وقلت:
(انت مين يا حبيبي)
لقيته كشف عن وشه وقالي:
(عرفتني ولا لا)
بصتله بتعجب، وشه مألوف بس مش عارف أنا شوفته فيه، رديت عليه وقولتله:
(وشك مألوف بس مش فاكر اتقابلنا فين)
لقيته رد عليا رد صاعق وقال:
(طيب بص لوش اللي بتعمله العملية كدا)

 

وبصيت، هو، نفس الشخص اللي بعمله العملية ومتخدر واقف قدامي بيتكلم، وفي نفس اللحظة توقفت عضلة القلب تماما ومات المريض، طقم التمريض جريوا يلحقوه بأي طريقة وانا باصص للشخص ده بذهول شديد، لقيته ابتسم وطبطب عليا وكأني انا بس اللي شايفه وقال:
(حرص من مراتك وراقبها كويس يا دكتور، وشكرا انك عملتلي العملية)
وخرج من الغرفة، خرج بعد ما أعلن كبير الممرضين انه مات تماما، قعدت برة أوضة العمـ,ـليات أترعش، شعري واقف ومش قادر أنطق، وفجأة افتكرت أمه، هقولها ايه، هقولها ابنك مات على ايدي، أكتر من حد قال هيبلغها بس قولتلهم انا اللي هبلغها، وخرجت وانا عامل زي العجوز، مش قادر أمشي لبرة، وأول ما شافتني لقتها قربت مني وقالت

 

(الله يرحمه كان ابن بار بيا أوي يا دكتور)
بصتلها بذهول أكبر وقلت
(انتي عرفتي منين انه مات)
ردت وقالت بابتسامة كبيرة:
(انا عارفة انه هيمــ . ــوت من قبل العملية يا بني الله يرحمه، المهم الأجر جالك ولا لسة)
مقدرتش أرد عليها ورجعت بيتي، كنت محتاج أتغطى وأنام، عامل زي العيل الصغير اللي واحد ضخم في المدرسة هدده انه هيضــ . ـربه وبيدور على أي مكان أمان.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى