ما حكم تكرارالعلاقة على جنابة وتأخير الاغتــسال لبرد الشتاء الإفتاء تحسم الأمر

ما حكم تكرار العلاقة على جنابة وتأخير الاغتسال لبرد الشتاء؟ الإفتاء تحسم الأمر
تعتبر العلاقة الزوجية من الأمور التي أولاها الشرع الحنيف عناية خاصة، فوضع لها آداباً وأحكاماً تضمن طهارتها وسلاستها، وتراعي في الوقت ذاته الظروف الإنسانية والصحية للمكلفين. ومع دخول فصل الشتاء واشتداد البرودة، يكثر التساؤل بين الأزواج عن حكمين شرعيين هامين: الأول يتعلق بمدى جواز تكرار الجماع دون اغتسال بين المرتين، والثاني يتعلق بتأخير الاغتسال من الجنابة خوفاً من البرد أو المشقة. في السطور التالية نستعرض التفاصيل الشرعية كما وردت عن دار الإفتاء وأهل العلم.

 

 

أولاً: حكم تكرار الجماع دون اغتسال
اتفق جمهور العلماء على أن الاغتسال بعد الجماع الأول **ليس شرطاً** لصحة الجماع الثاني. بمعنى أنه يجوز للرجل أن يجامع زوجته، ثم يعاود الجماع مرة أخرى دون أن يغتسل بينهما، وهذا من باب التيسير الذي جاءت به الشريعة الإسلامية.
**الأدلة الشرعية:**
استند العلماء في هذا الحكم إلى ما ورد في السنة النبوية المطهرة. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه: *”أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد”* (رواه البخاري ومسلم). وهذا دليل قاطع على أن الغسل ليس واجباً فورياً لتكرار العلاقة.
**الاستحباب والآداب:**
رغم الجواز، إلا أن السنة المطهرة حثت على إجراء معين بين الجماعين وهو **الوضوء** أو غسل الفرج. فقد ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: *”إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ”* (رواه مسلم).
والحكمة من هذا الوضوء كما ذكر الفقهاء، أنه أنشط للعودة، وأنقى للبدن، ويخفف من حدة الجنابة، لكنه يظل في دائرة “المستحب” وليس “الواجب”، فلو كرر الجماع دون وضوء فلا إثم عليه.

 

 

 

ثانياً: حكم تأخير الاغتسال من الجنابة بسبب البرد
هنا يجب التفريق بين مسألتين: تأخير الغسل *مطلقاً*، وتأخير الغسل *حتى خروج وقت الصلاة*.
**1. التأخير المؤقت (قبل خروج وقت الصلاة):**
لا يجب على المسلم أن يغتسل فور انتهاء العلاقة الزوجية مباشرة. يجوز له البقاء على جنابة لفترة من الوقت، لقضاء حوائجه، أو للأكل والشرب، أو للنوم، بشرط أن يغتسل قبل خروج وقت الصلاة الحالية.
فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: *”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة”* (متفق عليه). وهذا يؤكد جواز تأخير الغسل والاستعاضة عنه بالوضوء مؤقتاً للنوم أو الراحة.

 

 

**2. التأخير بسبب شدة البرد (عند وقت الصلاة):**
إذا حان وقت الصلاة (كصلاة الفجر مثلاً) وكان الجو شديد البرودة، فالأصل هو وجوب الغسل باستخدام الماء. ولكن الشريعة وضعت ضوابط دقيقة لهذه الحالة:
* **توفر وسائل التدفئة:** إذا كان بإمكان الشخص تسخين الماء (سخان، غاز، كهرباء) والاغتسال في مكان مستور عن الهواء البارد بحيث يأمن الضرر على نفسه، **فالغسل واجب ولا يجوز تركه أو الانتقال للتيمم**. فمجرد الشعور بالبرد ليس عذراً لترك الغسل ما دامت وسائل التدفئة متاحة وتدفع الضرر.

 

* **تعذر استعمال الماء:** إذا كان البرد قارساً لدرجة تصل إلى حد الصقيع، ولم يجد الشخص ما يسخن به الماء، أو وجد ماء ساخناً ولكن المكان شديد البرودة بحيث يغلب على ظنه أنه سيمرض أو سيهلك أو يزداد مرضه إذا اغتسل، **فهنا يجوز له التيمم**.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقد أفتت دار الإفتاء المصرية في أكثر من مناسبة بأن التيمم رخصة مشروعة عند “العجز عن استعمال الماء” حقيقةً (لعدم وجوده) أو حكماً (لوجوده مع الخوف من الضرر والمرض)، ولكنها شددت على ألا يتساهل الناس في ذلك بمجرد الشعور بلسعة البرد المعتادة التي يمكن دفعها بتسخين الماء وتجفيف الجسم بسرعة.

 

 

الخلاصة ورأي دار الإفتاء
حسمت دار الإفتاء الجدل في هذه المسألة بتوضيح النقاط التالية:
1. **الجماع المتكرر:** حلال ولا يشترط الغسل بين المرات، ويستحب الوضوء وغسل الفرج.
2. **النوم على جنابة:** جائز، والسنة الوضوء قبله.
3. **تأخير الغسل:** جائز ما لم يخرج وقت الصلاة.
4. **عذر البرد:** لا يعتبر البرد عذراً لترك الغسل والانتقال للتيمم إلا إذا تيقن المسلم من الضرر أو المرض، مع عدم قدرته على تسخين الماء. أما في ظل توفر السخانات ووسائل التدفئة الحديثة في المنازل، فلا عذر في ترك الغسل، ويأثم من أخرج الصلاة عن وقتها بحجة البرد وهو قادر على تدفئة الماء.
إن دين الله يسر، ولكنه دين انضباط أيضاً. فالرخص تؤخذ بقدرها ولا يُتوسع فيها لتتحول إلى تهاون في أداء الفرائض التي هي عماد الدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى