
“أمي ضرــ,,ـبت ابني بالقلم عشان لعبة… بس علشان تدافع عن حفيدها المفضل! ما اتكلمتش ولا عملت مشكلة… شيلته وجريت بيه على المستشفى. ولما رجعت… كل اللي في البيت كانوا بيترعشوا.”
اتخانق ابني مع ابن أخويا والسبب… لعبة. أمي دخلت تجري ومن غير ما تسأل أي حاجة، راحت ضاربة ابني بالقلم. ما اتكلمتش ولا عليت صوتي. بس حضــ,,ـنت ابني، اللي كان لسه أثر صوابع إيدها باين على وشه، وخدته وطلعت بيه على المستشفى. ولما رجعت… الحاجة سنية كانت أول واحدة اترعبت.
01
نور النجفة الكبيرة الكريستال في الصالة فرقع فجأة قدامي. وصوت القلم كان حاد وقاسي… كأنه إبرة دخلت ودني. وفجأة… الدنيا كلها سكتت. كأن الزمن وقف. ابني “سيف” عنده خمس سنين، اتمايل شوية. وعلى خده الأبيض ظهرت خمس علامات صوابع إيد… حمرا جدًا. موجعة. سيف ما عيطش. بس فتح عينيه وبص للست اللي قدامه… المفروض إنها جدته. كان في عينيه صد.مة. ولخبطة. وحاجة تانية… حته من ثقته كانت بتتكسر.
— يا واد قليل الأدب! إنت فاكر نفسك راجل؟ إزاي تمد إيدك على ابن عمك؟!
صوت أمي “الحاجة سنية” قطع السكون. كانت متعصبة جدًا. وإيدها لسه مرفوعة في الهوا. وعلى الأرض جنبها كانت لعبة مكسورة. لعبة بسيطة كان سيف شاريها من مصروفه. ووراها مستخبي حفيدها المفضل… ابن أخويا “باسم”، عنده سبع سنين. ابن أخويا الكبير. كان ماسك لعبة سيف المفضلة: روبوت “ترانسفورمرز”. وعلى وشه ابتسامة شماتة… ابتسامة كسبان.
في اللحظة دي حسيت كأن في إيد ساقعة ماسكة قلبي… وبتضغط عليه واحدة واحدة… لحد ما النفس بقى تقيل. وما كانتش أول مرة. التمييز ده… والظلــ,,ـم اللي دايمًا كنت أنا اللي بدفع تمنه… عايشة بيه بقالى 30 سنة. كنت فاكرة لما خلفت سيف كل حاجة هتتغير. قلت يمكن أمي قسوتها عليا كبنت… ما توصلش لحفيدي. بس طلعت غلطانة.
أمي بصتلي أخيرًا وقالت بعصبية:
— واقفة كده ليه يا “سماح”؟! خلّي سيف يعتذر لابن عمه حالًا!
صوتها كان ناشف وقاسي.
— إنتي بتربيه إزاي؟! مفيش احترام خالص! لما العيل يغلط يبقى من أمه!
كلامها كان زي سكــ,,ـينة… بتقطع في أعصابي حتة حتة. أخويا الكبير “عصام” ومراته “عبير” خرجوا من أوضتهم. وشهم فيه نظرة اللي بيتفرج على فيلم. عبير قالت بسخـ ــرية:
— يا طنط سيبيك منها… ابن سماح حساس زيادة، لكن باسم راجل، حتى لو اتضرــ,,ـب عادي!
وانحنت تلم اللعبة المكسورة… كأنها حاجة غالية قوي. عصام اتكلم بصوت تقيل:
— يا سماح، إنتي أم برضه. العيال لما تتخانق لازم تربي ابنك. باسم الكبير، وسيف يتعلم يسيبله.
التلاتة بيتكلموا كأنهم متفقين. كأنهم حافظين نفس الكلام. وأنا وابني… دايمًا الضحيــ .ــة. زمان… كنت بسكت. كنت ممكن أبتسم غصب عني… وأقول: “سيف غلطان.” وأخليه يعتذر… حتى لو مظلوم. كان ده السم اللي أمي زرعته جوايا… إني أرضي الكل على حساب نفسي. بس النهارده… ما قدرتش.
لما شفت وش سيف… ولما شفت عينيه النور فيها بيطفي… فهمت إني لو رجعت خطوة كمان… هيضيع زيي. تجاهلت كل الصوت اللي حواليا. ونزلت على ركبي قدامه. بصيت في عينيه. ولمست خده بهدوء. جسمه اتنفض. وعينه د.معت. د.موعه نزلت على إيدي… سخنة. وسيف أخيرًا ما استحملش:
— ماما… أنا عملت حاجة غلط؟ (صوته مكسور) أنا كنت عايز أرجع “أوبتيموس برايم”… هو اللي زقني…
قلبي اتكسر. حضــ,,ـنته جامد.
حكايات رومانى مكرم
— لا يا سيف. (صوتي كان هادي… بس حازم) إنت ما غلطتش. هما اللي غلطوا.
قومت… وشايلة ابني في حضــ,,ـني. ومشيت ناحية الباب. أمي زعقت ورايا:
— جاحدة! ده جزاتي بعد ما ربيتك؟! كله عشان العيل ده! امشي وما ترجعيش!
ما بصتلهاش. خرجت. قفلت الباب. وسبت ورايا كل حاجة. بصيت في مراية الأسانسير… وشي كان شاحب. هادي. بس عيني كانت باردة بشكل يخوف. نزلت. وأنا شايلة سيف. وفي نفس اللحظة… عربية سودا وقفت قدام العمارة. جوزي “خالد” كان راجع من السفر. كان مبتسم… وجاي يقول حاجة.
حكايات رومانى مكرم
بس أول ما شاف وش سيف… ابتسامته اختفت. والغضــ . ــب ظهر فجأة.
— مين اللي عمل كده؟! (صوته كان بيرتعش من الغضــ . ــب) هي أمك تاني؟!
خالد كان دايمًا بيستحمل عشاني… بس كان صريح وعصبي. لف عشان يطلع فوق. مسكته.
— لا… ما تطلعش.
صوتي كان بارد جدًا.
— يعني إيه ما اطلعش؟! ده كده زاد عن حده! النهارده ضرــ,,ـبوا سيف! وبكره هيعملوا إيه؟!
بصيتله بثبات:
— لو طلعت دلوقتي… الموضوع هيبقى خناقة عائلية وخلاص.
#الكاتب_رومانى_مكرم
اتكلمت بهدوء:
— خالد… المرة دي أنا عايزة حقي.
وقف. بصلي. وشاف في عيني حاجة جديدة… حاجة عمره ما شافها قبل كده. وفي اللحظة دي خالد بص لسماح باستغراب، كان مستنيها تعيط أو تطلب منه يروح يتخانق، لكن برودها كان مرعب. سألها بصوت واطي: “ناوية على إيه يا سماح؟”
ردت وهي بتمسح د.موع سيف اللي بدأ يهدأ في حضــ,,ـنها: “هنروح المستشفى يا خالد. هنعمل تقرير طبي بالحالة، كد.مة في الوش واعتـ . ـــدا على طفل.”
خالد اتصد.م: “تقرير طبي؟ دي أمك يا سماح! وأخوكي!”
سماح بصتله بنظرة خلت الكلمات تقف في حلقه: “دي اللي مدت إيدها على ابني عشان ترضي حفيدها ‘الباشا’. دي اللي خلت ابني يشك في نفسه وهو مظلوم. لو سكت المرة دي، سيف هيطلع مهزوز زيي. أنا مش هعمل محضر دلوقتي، أنا بس هثبت حالة.. والورقة دي هي اللي هتخلي الارتعاش يبدأ.”
في المستشفى
الدكتور كان بيبص لأثر الصوابع بأسى، وسماح كانت واقفة زي الصنم. خلصت الإجراءات، وأخدت التقرير المختوم، وطلبت من خالد يروح يشتري لسيف أحلى وأكبر لعبة “روبوت” في المحل. خالد نفذ وهو ساكت، حاسس إن سماح النهاردة ولدت من جديد.
العودة للمنزل
لما رجعوا البيت، كانت الصالة لسه فيها “الحاجة سنية” و”عصام” و”عبير”، بيشربوا شاي وكأن مفيش حاجة حصلت. عبير كانت بتضحك وتقول: “تلاقيها راحت عند صاحبتها تعيط كلمتين وهترجع تجر ذيول الخيبة.” فجأة الباب اتفتح. دخلت سماح، ووراها خالد شايل سيف واللعبة الجديدة الكبيرة.
الحاجة سنية وقفت وقالت بحدة: “جيتي يا ست هانم؟ يلا خلي المحروس ابنك يعتذر لباسم عشان كسرلوا اللعبة.” سماح مشيت ببطء لحد نص الصالة، وطلعت ورقة التقرير الطبي وحطتها على التربيزة قدام أمها. عصام سخـ ــر: “إيه دي؟ روشتة؟ سيف جاله انهيار عصبي من القلم؟”
سماح ردت بصوت زي حد السيف:
— “ده تقرير طبي باعتـ . ـــدا بدنـي على طفل يا عصام. ومختوم من مستشفى حكومي.”
السكون نزل على المكان. عبير ضحكت بتوتر: “إنتي اتجننتي؟ عايزة تحبسي أمك؟” سماح بصت لبير وقالت: “أمي.. وأخويا اللي كان واقف يتفرج ومدافعش عن ابن أخته. الورقة دي دلوقتي نسخة منها مع المحامي بتاعي. لو حد فيكم بس فكر يرفع صوته على سيف، أو يلمس شعرة منه، أو حتى يضايقني بكلمة.. التقرير ده هيتحول لمحضر فوري بتهمة تعنيف طفل.”
لحظة الانهيار
الحاجة سنية إيدها بدأت تترعش، مش خوف من السجــ,,ـن، لكن صد.مة من “سماح” الضعيفة اللي بقت وحش كاسر عشان ابنها. عصام وشّه جاب ألوان: “إنتي بتهددينا يا سماح؟ عشان عيل؟”
سماح قربت منه وقالت: “العيل ده هو اللي هيورث كرامتي اللي إنت وأمك دوسته عليها سنين. ومن النهاردة، مفيش ‘حفيد مفضل’. في عدل، أو مفيش معرفة خالص.” بصت لأمها وقالت بوجع: “يا حاجة سنية، القلم اللي ادتيه لسيف، كان آخر خيط بيربطني بيكي. أنا مش عايزة اعتذار، أنا عايزة ‘مسافة’. من النهاردة، أنا وسيف وخالد لينا بيت، وليكم بيت. والزيارة بحدود، والكلمة بحساب.”
النهاية المؤقتة
سماح أخدت سيف ودخلت أوضتها تلم هدومها وهي مقررة تسيب بيت العيلة وتتفرغ لتربية ابنها بعيد عن السموم النفسية. وهي خارجة، شافت “باسم” واقف خايف، وسيف بصله وابتسم، واداله اللعبة القديمة المكسورة وقال له: “خدها يا باسم، أنا ماما جابتلي الأحسن منها.. عشان أنا ما غلطتش.” خرجت سماح وهي رافعة راسها، وسابت وراها بيت كان فاكر إن الطيبة “ضعف”، لحد ما اكتشفوا إن “الأم” لما بتتحول لدرع، مفيش قوة في الدنيا بتقف قدامها.


