
لاحظ مدير مصنع (السيد فؤاد) خلال تجواله الروتيني الصباحي في المصنع شاباً يستند إلى الحائط بالقرب من قسم الشحن والتعبئة ولا يقوم بأي عمل. كان السيد فؤاد، الذي وصل إلى منصبه بعد سنوات من العمل الدؤوب والحرص الشديد على الانضباط، يرى في هذا المشهد إهانة مباشرة لقواعد العمل الصارمة التي وضعها.
اقترب منه وقال له بهدوء ولكنه بنبرة تحمل الكثير من الحدة المكبوتة: “كم راتبك؟”
كان الشاب (طارق) هادئاً ومتفاجئاً بالسؤال الشخصي والمباشر، فنظر إلى المدير باستغراب لم يستطع إخفاءه. أجاب الشاب بصوت خافت: “تقريباً 500 دولار شهرياً يا سيدي، لماذا تسأل؟”
بدون إجابة أو أي مقدمات، أخرج المدير محفظته الجلدية الفاخرة، التي امتلأت بالنقود، وأخرج منها 500 دولار نقداً. وضعها في يد الشاب بشكل قاطع (بمثابة إنهاء الخدمة الفوري وغير المشروط). ثم قال ببرود: “أنا أدفع للناس هنا ليعملوا وليس للوقوف والراحة. والآن، هذا راتبك الشهري مقدماً. أخرج حالاً ولا تعد إلى هذا المكان مرة أخرى!”
أخذ الشاب المبلغ، وعلى وجهه مزيج من الصدمة والحيرة، واستدار مسرعاً في الابتعاد عن الأنظار دون أن ينبس ببنت شفة. ربما كان مندهشاً من هذه الثروة المفاجئة أو من قسوة الموقف.
نظر المدير إلى باقي العمال والموظفين الذين تجمعوا حولهم، والذين كانوا يتابعون المشهد بعيون متسعة من الخوف والدهشة، وقال بنبرة تهديد واضحة ورنانة: “هذا ينطبق على الكل في هذه الشركة! من لا يعمل بجد، ننهي عقده مباشرة وبدون تردد. لا تساهل مع الإهمال أو التكاسل!”
بعد ذلك بدقائق، اقترب المدير من أحد العمال القدامى الواقفين والمتفرجين، وهو (عم سعيد)، وسأله بلهجة آمرة لتعزيز سلطته: “من هو الشاب الذي قمت بطرده الآن؟ وما هو القسم الذي كان يعمل فيه؟ لم أره من قبل في اجتماعات الموظفين!”
فجاءه الرد المفاجئ الذي جعله يتجمد في مكانه، وشعر بالدماء تنسحب من وجهه: “كان رجل توصيل البيتزا يا سيدي! لقد جاء لتوّه لتوصيل طلبية غداء لمهندسي قسم الجودة. كان ينتظر على الحائط ريثما يوقع المهندسون إيصال التسليم ويدفعون له الثمن. هو لا يعمل هنا أبدًا!”
شعر المدير بضربة قوية في معدته، وسيطرت عليه موجة من الندم والإحراج غير المسبوق. لقد صرف 500 دولار من جيبه الخاص، لموظف لم يكن موظفاً أصلاً! والأدهى أنه أطلق تهديداً حماسياً بناءً على هذا الخطأ الفادح. حاول أن يتدارك الموقف.
في مساء ذلك اليوم، كان السيد فؤاد في مكتبه الكبير، وقد فقد تركيزه تماماً. لم يكن الأمر يتعلق بالـ 500 دولار التي خسرها، بل بالخطأ في التقدير والتسرع الذي أهز صورته أمام الموظفين. شعر بالخجل من نفسه. طلب من سكرتيره الخاص، الآنسة ليلى، محاولة تتبع الشاب.
قالت الآنسة ليلى: “سيدي، لديّ بعض المعلومات. الشاب يدعى طارق، وهو طالب جامعي يعمل بدوام جزئي في مطعم بيتزا شهير قريب لدفع تكاليف دراسته. كان هذا المبلغ بالنسبة له مبلغاً كبيراً جداً، ربما يعادل قسطه الجامعي لهذا الشهر.”
شعر المدير بالسوء الشديد، ليس فقط لأنه أهانه، بل لأنه وضع هذا الشاب، الذي كان يكافح من أجل مستقبله، في موقف حرج. قرر أن يصلح خطأه بطريقة تعيد له كرامته وكبريائه أمام موظفيه.
في اليوم التالي، قام السيد فؤاد بزيارة مفاجئة لمطعم البيتزا. كان طارق يعمل خلف المنضدة. اقترب منه المدير، وفي هذه المرة كانت نبرته مختلفة، مملوءة بالاحترام والاعتذار.
قال المدير: “أهلاً يا طارق، أنا فؤاد، مدير المصنع الذي زرتَه أمس. أرجو أن تسامحني على ما حدث. لقد تصرفت بتهور وحكمت عليك بناءً على افتراض خاطئ، وهذا خطأ جسيم من رجل في منصبي. أنا أعتذر بصدق.”
تفاجأ طارق، ولكنه لم يتحدث.
تابع السيد فؤاد: “بالإضافة إلى اعتذاري، أريد أن أقدم لك عرضاً. لقد أظهرت سلوكاً هادئاً ومهذباً حتى تحت ضغط غير عادل. أنا أقدر هذا النوع من السلوك. هل تقبل العمل لدينا في قسم الإدارة المالية بدوام جزئي، يناسب ساعات دراستك؟ سنمنحك راتباً أفضل، وستكتسب خبرة قيّمة في مجال عملك الجامعي.
وبالطبع، احتفظ بالـ 500 دولار كتعويض عن الإهانة التي تعرضت لها.”
نظر طارق إلى المدير بتأثر، وقال: “يا سيدي، أنا أقدر اعتذارك بشدة، وهذا يكفيني. أما بالنسبة للعمل، فأنا أتشرف بقبول العرض. أرى أنك رجل عادل وشجاع بما يكفي لتصحيح خطأك، وهذا يعنيني أكثر من أي شيء.”
عاد المدير إلى مصنعه، لم يخبر أحداً بالتفاصيل، لكنه أعلن عن تعيين طالب جامعي موهوب في قسم المالية. لقد تعلم درساً لا يُنسى: لا تتسرع في اتخاذ القرارات بناءً على المظهر أو الافتراضات؛ فالحقيقة غالباً ما تكون بعيدة عن الظاهر، وتصحيح الخطأ يتطلب شجاعة أكبر من اتخاذه.
**النهاية:**
لا تتسرع في اتخاذ القرارات فقد تندم كثيراً فيما بعد.
والأهم من ذلك، امتلك الشجاعة لتصحيح الأخطاء عندما تكتشف الحقيقة، فهذا هو جوهر القيادة الحقيقية.


