الترعه

خلَّصوا كلام وقبل ما يتحرَّكوا؛ لقيت الحاج ياسين بيقول لي يعني لو احتاجت حاجة أتصل بيه، بعدها بقيت لوحدي لمَّا كل واحد منهم راح يشوف مصالحه، في الوقت دَه بدأت أنزِّل الكرَّاكة على العوامة الحديد في الترعة عشان أبدأ شُغل.
الوقت فات بدون ما أنتبه، من وقت ما بدأت شُغل وأنا موقفتش دقيقة، ومحسِّتش بنفسي غير لما الليل دَخل ومبقتش شايف حواليا، وده خلاني أفتح كشَّاف النور الكبير اللي فوق الكرَّاكة عشان أشوف أنا شغَّال فين.

 

 

بدأت أشتغل في نور الكشَّاف، كل ما الكرَّاكة تدور ونورها يروح ناحية شط الترعة، ألاقي إن مفيش حد من أهل البلد رايح أو جاي في المنطقة، بَس بدأت أفسَّر دَه بإن مَنظر الترعة واللي فيها هوَّ اللي مخلّي الناس تكره تمشي من جنبها، وإلا مكانش واحد منهم جالي آخر الدنيا عشان آجي أطهَّرها، وكمان على حسابهم وبالجهود الذاتية.
كُنت عايز أواصل شُغل لحد قبل الفَجر، وبعدها أتصل بالحاج ياسين عشان ييجي يوصَّلني الأوضة اللي قال عليها أريَّح كام ساعة، وبعدها أرجع أكمِّل شُغل من تاني، بَس بمجرَّد ما الساعة بقت 12 صباحًا كشَّاف النور انطفى، الدنيا ضلِّمت من حواليا ومكنتش شايف غير نور البيوت اللي طالع من الشبابيك، استغربت الحكاية لأني في العادة بتأّكِّد إن كل حاجة في الكرَّاكة سليمة قبل ما بطلع أي شغلانة.
بعد ما حاولت مع مفتاح الكشَّاف أكتر من مرَّة؛ قُمت من الكرسي وطلعت فوق سطح الكرَّاكة، بدأت أفحص الكشَّاف عشان أشوف إيه حكايته، في الوقت دَه لاحظت إن العوَّامة بتتهَز هزَّة غريبة، زي ما يكون في موج من تَحتها، والحكاية دي كانت مستحيلة لأن مَيِّة الترعة راكدة.

 

 

توازني بدأ يختَل، عشان كِده قرَّرت أنزل، وبمجرَّد ما لفِّيت وشّي عشان أنزل لمحت شيء غريب ورايا، وأوِّل تخمين كان في بالي هو إن الشيء ده عبارة عن رجلين بني آدم.
بمجرَّد ما لمحت الشيء دَه حركة الكرَّاكة وقفت فجأة، وساعتها بقى عندي فرصة إني أحُط إيدي في جيبي وأطلَّع التليفون، فتحت كشَّافه عشان أتأكد من الشيء اللي قدامي، ساعتها إيدي ارتجفت من الخوف؛ لأني اتأكدت من إن اللي قدامي رجلين بني آدم فعلًا، بَس رجلين غريبة ومُش طبيعية، لونها بني محروق، لكن تفاصيل كفوفها مكانتش واضحة.
التليفون وقع من إيدي، في الوقت ده مقدرتش أرفع راسي لفوق عشان أشوف مين الشَّخص ده، أوِّل مرَّة حاجة من دي تحصل معايا، معرفش ليه حسيت بتنميل في جسمي، راسي تقلِت وأنفاسي بدأت تتقل بالتدريج؛ لدرجة حسيت إني هتخنق مع الوقت، ولما حاولت أصرخ أو أستنجد بأي حد مقدرتش أنطق.

 

 

عيني بدأت تغمَّض، كنت نايم فوق سطح الكرَّاكة وعلى يقين إن في شيء غامض جنبي، إحساس سخيف أوِّل مرَّة أحِس بيه، بَس الإحساس دَه بدأ يقِل بالتدريج، وده بسبب إني بدأت أفقد الوعي ببُطء؛ لحد ما إحساسي بكل شيء تلاشى، ومحسِّيتش بنفسي غير لمَّا سمعت صوت حد بينادي عليا:
-يا أُسطا عمَّار!
فَتحت عيني لقيت الدنيا ضلمة زي ما هيَّ، الصوت اتكرر، ومع الوقت عرفت إن دَه صوت الحاج ياسين، افتكرت وقتها إن التليفون وقع من إيدي جنبي، بدأت أدوَّر عليه في الضلمة لحد ما لقيته، ساعتها فتحت كشافه اللي معرفش إزاي اتقفل لما وقع مني، أوِّل حاجة عملتها هي إني بدأت أشوف الشيء الغامض دَه لسَّه موجود ولا لأ، لكني اتأكدت إن مفيش حاجة جنبي، قلبي اطَّمِّن ورميت نور الكشاف في الناحية اللي الصوت جاي منها، لمحت الحاج ياسين واقف على الشط، قُلت أكيد لمَّا اتأخرت عليه في الاتصال جاب بعضه وجِه عشان يشوفني وصلت لفين، وبالمرَّة يوصَّلني للأوضة اللي قال عليها.
نزلت من فوق سطح الكرَّاكة، وفي اللحظة دي بَس افتكرت إنها كانت دايرة لمَّا طلعت أشوف حكاية الكشاف، لكنها دلوقت مُش شغالة، ومعتقدش إنها تبطَّل من نفسها بدون سَبب، بَس قُلت جايز حصل أي حاجة لمَّا طلعت فوق ورُحت في النوم لمَّا حصل اللي حصل.

 

 

دوَّرت الكرَّاكة وبالمعلقة سحبت العوامة الحديد ناحية الشَّط، بعدها قفلتها وأخدت بعضي وطلعت من الترعة عشان أشوف الحاج ياسين، وبمجرَّد ما خرجت لقيته بيبتسم وبيقول لي:
-هو أنت راحت عليك نومة ولا إيه يا أُسطى عمَّار؟
مجاوبتش عليه لأني كنت بفكَّر في اللي حصل معايا، التفاصيل فاتت قدام عيني في ثواني، الخوف اتجدَّد جوايا، عشان كِدَه سألته بصوت مهزوز:
-هي الترعة دي فيها حاجة يا حاج؟
جاوبني بابتسامة غامضة، مكنتش قادر أفهم اللي بيدور في دماغه، ولا عرفت إيه السبب اللي يخليه يضحك بعد ما يسمع سؤالي، عشان كِدَه سألته بنفس النبرة المهزوزة:
-إيه اللي بيضحك في سؤالي يا حاج ياسين؟
في اللحظة دي بدأ يقرَّب منّي بدون ما الابتسامة تفارق ملامحه وقال لي:

 

 

-الترعة مالها يا أُسطى عمَّار، ما أنت عارف إنها محتاجة تطهير، ولا نسيت أنت جاي هنا ليه!
-أنا عارف كل ده.
قلت كده وحكيت اللي حصل معايا من بدايته لحد ما فتحت عيني على صوته، ساعتها ابتسامته زادت، ولحد هنا خوفي اتحوِّل من الشيء الغامض اللي في الترعة لخوفي من الحاج ياسين نفسه، إحساس جوَّايا بيقول إن في شيء غريب بيحصل هنا، وإن ابتسامته بتقول إنه عارف اللي بيحصل، وده بيفسَّر منظر الترعة اللي قدامي وسبب إن مفيش حد بيقرَّب منها، عشان كِدَه أهل البلد طلبوا من الحاج ياسين يشوف كرَّاكة من آخر الدنيا، واحد ييجي على عماه وهو مش عارف حاجة ويتفاجئ يلاقي نفسه في مواجهة شيء غامض، كل دَه كنت بفكَّر فيه وأنا شايف على وِش الحاج ياسين لا مبالاة غريبة،

 

 

حتى بدأ يعطيني ضهره ويتحرَّك ناحية الترعة وهو مبحلق في الضلمة اللي فيها، في الوقت دَه وقفت متمسمر في مكاني، انتظرته ينطق لكنه فضل واقف وهو بيبُص للترعة ودخل في حالة الجمود، وقفت تايه، ومخرجتش من دايرة التوهان اللي دخلتها غير على رنة تليفوني، ولمَّا بصيت فيه عشان أرُد لقيت نفسي بفتح بوقّي وأنا مذهول، لأن اسم المتصل اللي على الشاشة كان الحاج ياسين، في الوقت نفسه اللي كان لسَّه واقف فيه قدامي ووشُّه للترعة!
لمَّا بحلقت في شاشة التليفون ورجعت بصيت من تاني ناحية الترعة؛ لقيت الحاج ياسين اختفى، زي ما يكون فَص ملح وداب، لفيت حوالين نفسي وملقتش له أي أثر، رفعت التليفون على ودني وفتحت المكالمة وقُلت نبرة كلها خوف:
-آلو.

 

 

-أنا آسف يا أسطى عمَّار راحت عليا نومة، بَس أنا طالع من البيت جاي عندك، هجيب لَك لقمة تاكلها وبالمرَّة أوصَّلك للأوضة اللي هتقعد فيها عشان تعرف طريقها.
كنت بسمعه وعيني على الترعة، في الوقت دَه ظَهر قدامي من تاني، كان واقف بنفس الطريقة، وشُه للترعة ومبيتحرَّكش من مكانه، وفي الوقت نفسه كنت سامعه بيكلِّمني في التليفون وصوته كله نوم، عشان كده معلَّقتش بكلمة، كل اللي قدرت عليه إني قُلت:
-توصل بالسلامة يا حاج.
بمجرد ما قفلت المكالمة لقيته اختفى من تاني، ولحد هنا بقيت مُدرك إن مُش دَه الحاج ياسين، وإن المكان في شيء غامض، وهو السبب اللي خلَّى الترعة مهجورة ومتراكم فيها الفضلات دي كلها، وهوَّ اللي خلَّى أهل البلد ينفروا من الناحية دي، ودَه طبعًا واضح لأني ملاحظتش حد من أهل البلد بيروح وييجي من ناحية الترعة.

 

 

التفكير أكل دماغي، فضلت على الحال ده لحد ما لمحت شخص جاي من أوِّل الطريق، وقبل ما يوصل عندي ملامحه بدأت توضح، ساعتها عرفت إنه الحاج ياسين، كان شايل في إيده حافظ طعام، قلبي كان لسَّه بيتنفض من الخوف، والسبب في كِدَه هو إنه كان واقف بيكلمني من شوية، وبعد كده اكتشفت إنه شيء مجهول، وبناءً على كده مكنتش عارف إن كان هوَّ فعلًا اللي جاي ناحيتي، ولا الحكاية هتطلع زي المرَّة اللي فاتت.
لمَّا وصل عندي لقيته بيقول لي:
-متآخذنيش يا أُسطى عمَّار، النوم غلبني لأني كنت تعبان.
كُنت مركِّز في ملامحه وهو بيكلمني، ملاحظتش عليها نفس الابتسامة الباردة اللي كانت على ملامحه لمَّا كنت بكلمه من شوية، قبل طبعًا ما يتضح لي إنه شيء غامض، ولحد هنا قلبي بقى مطَّمن، عشان كِدَه لساني طاوعني وسألته:
-هي إيه حكاية الترعة بتاعتكم دي يا حاج؟

 

 

-مالها الترعة يا أُسطى عمَّار؟
-أنت أدرى بالإجابة.
ساعتها شدِّني من دراعي وقال:
-تعالى نتكلم في الطريق يا أُسطى عمَّار.
اتحركنا من المكان، محبِّتش أحكي عن اللي حصل معايا، قلت أشتري منُّه وأسيبه يتكلم، جايز كلامه يجاوب على الأسئلة اللي في دماغي، لكن اتفاجئت إنه صامت، ودَه اللي خلاني بعد ما مشينا شويَّة قُلت:
-مُش قلت هنتكلِّم في الطريق يا حاج!
ساعتها أخد نَفس عميق وقال:

-عارف إن دماغك فيها أسئلة كتير، أولها إيه اللي جابني من آخر الدنيا لحد عندك، وكمان عايز تعرف سبب الترعة اللي شبه مهجورة.
-ياريت ترسّيني على الحكاية، أنا بسهر أشتغل في نُص الترعة لوحدي بالليل، على الأقل قلبي يكون مطَّمن من ناحيتها.
-الحكاية بدأت من خمس سنين، من بَعد ما حصلت حالة غرق في الترعة، ساعتها أهل البلد اتعاملوا معاها على إنها حــ,,ـادثة غرق عادية، بَس من الوقت دَه وحالات الغرق زادت، الترعة بدأت تاخد شباب البلد واحد ورا التاني، تقريبًا كِدَه أي حد كان بيقرَّب من مَيِّة الترعة كان بيتسحب جوَّاها، حتى الغواصين اللي نزلوا بيدوَّروا على جـ,ـثثهم في منهم ناس غرقت، دَه غير إنهم مكانوش بيلاقوا الشباب اللي بتغرق، لكن الجـ,ـثث كانت بتظهر من نفسها بعد كام يوم، الناس بتلاقيها طافية على وِش المَيَّه وراسية جنب شَط الترعة، ولمَّا يسحبوها برَّه المَيَّه بِشَبَك الصيد؛ كانوا بيلاقوا عليها آثار ضر*ب وكدمــ,,ـات، ومن هنا الناس بدأت تقول إن الجنِّية هي اللي بتسحب الشباب تَحت المّيَّه وتق*تلهم.
لحد هنا قاطعت الحاج ياسين وقُلت له:

 

 

-تُقصد ندَّاهة بقى مُش جنِّية.
-مُش هتفرق كتير، ربنا يكفينا شرُّهم كلهم. من وقتها ومحدِّش بيقرب للترعة، بَس كانت الأمور عادية، كل كام شَهر الكرَّاكة كانت بتيجي تطهَّر الترعة عشان الناس تعرف تروي أراضيها والحياة تمشي، لحد ما في مرَّة اتفاجئنا إن الكرَّاكة دايرة لوحدها على العوَّامة والسواق مش موجود، انتظرنا يظهر لكنه مظهرش، ولمَّا الوقت فات جَت كرَّاكة تانية سحبت العوَّامة ناحية الشَّط، وبعد كام يوم ظهرت جـ,ـثة السواق ناحية شَط الترعة وعرفنا إنه غرق، ومن وقتها ومفيش حد نطلبه عشان تظهير الترعة إلا وبيعتذر وبيتحجج، ومبقيناش عارفين نروي الأراضي ولا نشوف مصالحنا.

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى