-طبعًا عارف يا عمو، أنا سمعت مرَّة عمتو بتكلم بابا وبتقول له يتجوز تاني، عشان ماما عندها مشاكل في الخلفة، وإنهم خلفوني بعد سنين طويلة ومعادش في فرصة إنها تخلف تاني، وعمتو كانت عايزة بابا يبقى عنده أكتر من ولد، ساعتها أمي عرفت وراحت للدجال تعمل عمل لبابا عشان ميتجوِّزش عليها، ومن وقتها وبابا تِعب لحد ما عرفوا السبب وطلَّق ماما.
اللي سمعته فسَّر لي حاجة استغربتها، وهي إن المفروض الحاج زياد يكون ابنه أكبر من كده بكتير، لكن من كلام علي إنه شرَّف للدينا بعد سنين طويلة من الجواز، وفي نفس الوقت كنت مذهول إنه بيتكلم بطريقة أكبر من سنُّه، بَس قُلت جايز المشاكل والظروف اللي الواحد بيمُر بيها بتخليه ينضج ويفهم حاجات قبل أوانها، وكمان كنت بلعن الدجل والدجالين والسِّحر والسَّحرة، اللي لو دخلوا بيت أو حاجة تبعهم دخلته بتخربه وبتجيب سقفه على الأرض.
التفكير أخدني ونسيت إن علي واقف قدامي، مفوقتش من التوهان اللي كُنت فيه غير لمَّا لقيته بيقول لي:
-عارف يا عمو، أنا شُفت الدجال دَه عندنا في البيت.
حسيت إن كف إيد خشنة عصرت قلبي، وده لمَّا خطر في بالي إن والدة علي جابت الدجال عشان يعمل سِحر وقرف من اللي بيعمله، ولأن من وجهة نظري إن حاجة زي دي صعب تحصل عشان أكيد هتنكشف؛ سألت علي وقُلت له:
-هي ماما كانت بتجيب الدجال البيت ليه؟
إجابته على سؤالي كانت خارج توقعاتي، وده لأنه قال لي:
-مُش ماما اللي كانت بتجيبه، هو اللي كان بيظهر في البيت بالليل، بالأمارة رجليه لونها بني محروق ومالوش كفوف!
حسيت بصعقة كهربا ضر*بت جسمي، وده ببساطة لأن وصف علي لرجلين الدجال كان نفس وصف رجلين الشيء الغامض اللي شُفته وأنا على سطح الكرَّاكة!
حاولت أفوق من الصدمة، أخدت نفس عميق وبلعت ريقي وسألته:
-وأنت إيه اللي خلاك متأكد إن اللي شُفته يبقى الدجال؟!
-لأني لمَّا شُفته كذا مرَّة لقيته ماسك في إيده حتة قماشة زي اللي ماما حطتها في بطن المرتبة.
قطع كلامنا رنِّة تليفوني، بصيت في شاشته لقيته سواق التريلا، ولمَّا رديت عليه قال لي:
-صباح الخير يا أُسطى عمَّار، معلش كنت على الطريق، وأوِّل ما وصلت لمكان فيه شبكة وصلتني رسالة إنك حاولت ترِن عليا.
ردِّيت عليه الصباح وقُلت له:
-أنا فعلًا رنِّيت عليك وكنت عاوزك تيجي عشان تحمِّل الكرَاكة والعوامة ونرجع.
-بالسرعة دي لحقت تخلَّص، ده أنا لسَّه موصَّلك ليلة امبارح.
-معلش بقى أًصل حصلت ظروف ومش هكمِّل الشغلانة.
-طيِّب ولو فيها رخامة تقدر تنتظرني لبكره الصبح، أصل معايا شغلانة ومش هقدر أعتذر عنها وكلامك فاجئني.
-خلاص ماشي يا أسطى، من هنا لبُكره الصبح مُش بعيد، هنتظرك.
بمجرَّد ما قفلت معاه سمعت صوت حد طالع على السلم، ومفيش ثواني لقيت الحاج ياسين والحاج زياد واقفين قدامي، ساعتها الحاج ياسين بَص للحاج زياد ولابنه وقال:
-سيبنا شوية يا حاج زياد، عايز أتكلِّم مع الأسطى عمَّار في كلمتين.
بعد ما بقينا لوحدنا ودخلنا قعدنا في الأوضة لقيت الحاج ياسين بيقول لي:
-لسَّه ناوي على اللي في دماغك يا أُسطى عمَّار؟
-حُط نفسك مكاني يا حاج، آخد بعضي وأمشي ولا تلاقوا جـ,ـثتي عايمة جنب شَط الترعة!
-عن نفسي مش عارف أقول لك إيه، كلامك كله على حق، بَس إحنا عاوزين نرتاح من اللي إحنا فيه.
-الراحة اللي بجد إنكم تعرفوا إيه السبب اللي خلَّى الترعة توصل للي هي فيه، ولمَّا تحلو مشكلتها تبقوا تطهَّروها.
-يعني دَه آخر قولك؟
-ومفيش قول بعده يا حاج.
كان لسَّه بيقوم من على الكنبة ولقيت فضولي بيدفعني أسأله سؤال، وفعلًا سألته:
-هي البلد دي فيها دجَّال؟
سؤالي خلاه يتجمِّد في مكانه، بَص لي باستغراب وقال:
-وهوَّ في مكان بيخلى منهم، دَه كل منطقة وفيها شخص ملعون من دول، بَس إيه اللي خلاك تسأل السؤال ده!
-يعني في دجَّال هنا، ووصفك له بإنه من الأشخاص الملعونة يبقى أكيد سيرته مسمَّعة.
-سيرته مسمَّعة وكلها هباب، بَسطاوي الملعون.
قرَّبت منه بخطوات بطيئة وسألته:
-مفيش حد فيكم خطر على باله إن اللي اسمه بسطاوي دَه يكون له علاقة بالحال اللي الترعة وصلت له.
-وإيه علاقة بسطاوي الدجال باللي بيحصل في الترعة، دَه واحد ملعون عايش على السِّحر والشعوذة، بيطلَّق واحدة من جوزها أو يمرِض واحد أو يخلّي واحد ييجي على وشُّه لحد بيت واحدة، يعني جَلب وتفريق ومرض وكلام من دَه والعياذ بالله، لكن الترعة هي اللي فيها جنِّية بتاخد الشباب والكل بيخاف يقرَّب منها.
-ومين بقى صاحب فكرة الجنِّية، بسطاوي الدجال ولا أهل القرية اللي وصلوا للفكرة دي بعد دراسة اللي بيحصل.
-لأ بسطاوي مالوش علاقة باللي بيحصل في الترعة، حتى لمَّا الحكاية بدأت في ناس لجأت له ومرضاش يتدخَّل وقال إنه ميفهمش غير في الشغل اللي متعوِّد إنه يعمله وبس.
-وامتناع بسطاوي عن إنه يتدخَّل في الحكاية مخلَّكوش تشكُّوا إنه عارف اللي فيها ومش عايزه ينتهي لسبب هو بس اللي يعرفه، يعني على الأقل لو كان ساعد أهل البلد في حل المشكلة جايز دَه يغيَّر فكرتهم عنه، وميبقاش في نظرهم شخص ملعون، وامتناعه بيقول إنه عاوز ده يستمر.
-مستحيل نظرتنا عنه تتغيَّر، ده والعياذ بالله بيقولوا إنه لمَّا واحدة بتروح له تعمل سِحر بيطلب منها تعمل معاه حاجات تغضــ,,ـب ربنا، وبيقول إن دي طلبات الجِن اللي معاه.
وهنا عرفت سبب إن الحاج زياد مقالش السبب الحقيقي ورا طلاق مراته، وقال إنها حبَّت واحد تاني وكانت عايزة تتجوِّزه، وشاف من وجهة نظره إن ده شيء محتمل الحدوث، ومن وجهة نظره برضه كان أهون بكتير من إن يتقال احتمال مرات الحاج زياد تكون عملت حاجات تغضــ,,ـب ربنا ومع دجال كمان، بَس دَه كلُّه خلاني أقول:
-بَس أنا واثق إن بَسطاوي ورا اللي بيحصل.
لمَّا الحاج ياسين شاف إصراري سألني:
-إيه اللي خلاك تسأل عن الدجال وليه مُصمم إن له علاقة باللي بيحصل، ما كل مكان فيه ديه دجال واتنين وتلاتة ومفيش عندهم اللي بيحصل عندنا، ولا كل حاجة بتحصل مش قادرين نعرف سببها هنقول إن الدجالين هُمَّا السبب فيها.
-جايز كلامي مُش مقنع بالنسبالك يا حاج، بَس أحيانًا ربنا بيبعت لك الإشارة اللي تمشي وراها عشان تحِل لغز مش عارف توصل لحلُّه.
-ويا ترى إيه هي الإشارة اللي جَت لك يا أُسطى عمَّار؟
-علي ابن الحاج زياد، أظن لمَّا طلعتوا من شوية شُفتوه وهوَّ واقف معايا، كان بيحكي عن إن سبب طلاق والدته إنها راحت للدجال، وإن التعب اللي كان عند أبوه بسبب العمل اللي عملته، بَس قالوا سبب غير ده لأنك عارف اللي فيها، وعارف الدجال بيطلب إيه من أي ست تروح له في شغل، لكن مُش ده اللي خلاني أقول إن الدجال هو السَّبب، في حاجة تانية علي قالها وسط الكلام، وهي إنه كان بيشوف الدجال بيظهر بالليل في البيت وقت ما كان العمل مدفون في بطن المرتبة، وقال إن رجليه كان لونها بُنّي محروق، وهو نفس وصف رجلين الشيء الغامض اللي شُفته على سطح الكرَّاكة، وكمان بيفسر ظهورك ليا في الوقت اللي كنت فيه جوَّه بيتك، في حاجات بتحصل بتقول إن في سِحر ورا الحكاية.
كلامي خلَّى الحاج ياسين يتخشِّب في مكانه، وبعد تفكير في اللي قُلته رد عليا وقال:
-كلامك دَه لو صدق معناه إن الحرب هتقوم في البلد، ومش بعيد بَسطاوي الدجال يخربها أكتر.
بعد ما قال لي الكلام دَه قُلت له:
-كل اللي طالبه منك إنك تنسى اللي سمعته منّي عن طليقة الحاج زياد، الراجل شكله طيِّب وميستحقّش إن الناس تعمل سيرته لبانه في بوقّها، وجايز ربنا أراد إن آجي هنا وعلي يحكي الكلام دَه عشان يحصل ربط بين اللي بيحصل وبين الدَّجال ويبقى في طرف خيط تمشوا وراه عشان اللعنة دي تنزاح، الطلب التاني بقى؛ هو إني عايز أدخل بيت بسطاوي الدجال.
وشُّه جاب ألوان لأن طلبي كان غريب، بَس لمَّا شُفت الاندهاش على ملامحه كمِّلت كلامي وقُلت:
-أنا غريب عن البلد، يعني بسطاوي الدجال لا عُمره شافني ولا ملامحي عدَّت قصاد عينيه قبل كده، وغرضي من دخولي البيت هو إني هتعامل وكأني زبون جاي من بلد بعيدة وقاصده في خدمة، وهقول إني سألت عن واحد سِرُّه باتع والناس دلَّتني عليه، جايز من كلامي معاه أوصل لطرف خيط يساعدكم، وبكده أبقى قدِّمت المساعدة لكم من غير ما أنزل الترعة في نُص الليل بالكرَّاكة وأعرَّض نفسي للخطر، ولا إيه رأيك يا حاج؟
زي ما يكون سَرَح مع كلامي وراح لدنيا تانية، بَس بعد شوية لقيته بيقول لي:
-لو على دخول بيت بسطاوي بسيطة، أنا هاخدك لمكان قريِّب من البيت وهشاور لك عليه وأنت عليك الباقي.
بمجرَّد ما خلَّص كلامه لقيت تليفوني بيرن، كان سواق التريلا، ولمَّا فتحت المكالمة لقيته بيقول لي:
-الشغلانة اتأجلت يا أسطى عمَّار، جاهز آجي لَك النهارده؟
بعد ما فكَّرت لثواني رديت عليه وقُلت:
-خليها بُكره يا أسطى، هخلص شغلانة بسيطة كده والصُّبح أكون جاهز إن شاء الله.
قفلت المكالمة وقُمت مع الحاج ياسين، وعلى السلم قابلت علي، كان بيبُص لي بصَّة فهمت منُّه إنه بيقول لي متجيبش سيرة الكلام اللي حكاه قدامي، ساعتها ابتسمت له في صمت وأنا بحُط كف إيدي على راسه، وبعد ما اتكلمنا مع الحاج زياد والحاج ياسين قال له إننا رايحين الجامع؛ خرجنا من البيت ومشينا، كُنَّا بنخرج من شارع لشارع، لحد ما لقيت نفسي في مكان على طرف البلد، أرض واسعة والمقابر كانت ظاهرة على مرمى البصر، وفي المكان دَه لقيت الحاج ياسين بيشاور ناحية بيت من دور واحد، كان لوحده في المنطقة ومفيش حواليه بيوت، وساعتها قال لي:
-دَه بيت بسطاوي.



