صرخت برجاء يائس أن يتصل أحدهم بالإسعاف لكن صراخي لم يلق ردا. بدا وكأن الجدران هي وحدها التي تسمع ثم تعيد إلي الصدى دون رحمة. كل ما شعرت به في تلك اللحظة هو الوحدة الوحدة المطلقة حتى وأنا محاطة بثلاثة أشخاص من المفترض أن يكونوا عائلتي.
وفجأة اقترب دانيال مني ليس لينقذني بل لينتزع حقيبتي من تحت يدي. انحنى وفتحها بعنــ . ــف وأخذ يفتش داخلها عن دفتر الشيكات. كانت يداه ترتجفان لكن ليس خوفا علي بل غضــ . ــبا لأنني لم أوافق على منحهم المال.
رفع رأسه نحوي وصوته يتقطر تهديدا وقال وهو يضغط على أسنانه
ستوقعين على المبلغ الآن مهما كان الثمن.
حاولت دفعه بعيدا لكن قوتي كانت تتلاشى. شعرت بأن العالم كله يدور حولي وبأن الهواء يضيق ثم ضــ . ـربتني انقباضة جديدة كادت تطيح بي من شدتها جعلتني أتقوس من الألم وأصرخ دون وعي.
تدخلت كارين أخيرا بصوت مرتجف وكأنها أدركت فجأة حجم الكارثة
دانيال! توقف! إنها على وشك الولادة!
توقف للحظة
لكنه لم يعتذر ولم يبد عليه أي أثر للندم. فقط وقف يتنفس بسرعة يحدق بي بنظرة لم أعرفها من قبل. نظرة رجل فقد السيطرة على نفسه تماما.
في تلك اللحظة أدركت شيئا واحدا فقط أنني رغم خوفي لن أستطيع الاعتماد سوى على نفسي.
عندما وصلت سيارة الإسعاف أخيرا شعرت بشيء يشبه النجاة الأولى. حملني المسعفون بسرعة على النقالة بينما كان دانيال وعائلته يلاحقونهم بأسئلة لا علاقة لها بسلامتي كانوا يتجادلون حول المال حول الحق حول من يملك ماذا وكأنني لم أكن امرأة تتألم وتكافح لتلد طفلين.
في المستشفى تلاشى الوقت. ساعات طويلة من الألم الحاد والقلق الساحق والخوف المتواصل من أن أفقد أحد طفلي. كانت الممرضات يتحركن بسرعة والأطباء يراقبون مؤشراتي الحيوية التي بدأت تهبط بقلق واضح. ثم بعد قرار عاجل بضرورة إجراء عملية قيصرية غمرت الغرفة أصوات لم أنسها قط بكاء صغيرين ضعيفين لكنه حي حي بشكل أنقذ روحي كلها.
جاءا إلى العالم صغيرين هشين مبللين بالدموع والماء وأدركت أنني ما زلت أملك سببا لأعيش. حملت الممرضة أحدهما إلى صدري والآخر إلى ذراعي وشعرت لأول مرة منذ ساعات طويلة بأن قلبي يعود للنبض كما يجب.
لم يدخل دانيال غرفة العمليات.
ولم تدخلها كارين ولا ليزا. بقوا في الخارج يتجادلون يتهامسون ينظرون بوجوه ممتلئة بالذهول والغيظ. أما أنا فاحتضنت طفلي بقوة وكأن لمسة واحدة منهما قادرة على محو العالم بأكمله.
لكن الكابــ . ــوس لم ينته هنا.
فبعد ساعات قليلة وصلني خبر جعل الدم يتجمد في عروقي ليزا نشرت الفيديو. نشرته عبر رسالة لصديقتها ومنها إلى مجموعات أخرى ثم إلى صفحات عديدة. خلال ساعات قصيرة صار المشهد منتشرا بين الناس ضــ . ـربة سقوط امرأة حامل تهان في أكثر لحظاتها ضعفا وزوجة أخت تصور وتضحك وكأنني لم أكن أما تحتضر من الألم.
انهالت التعليقات الاتصالات والخبر وصل للشرطة أسرع مما توقعت.
وبينما كنت أضم طفلي إلى صدري دخلت إحدى الممرضات وهي تقول بوجه جاد
الشرطة في الطريق إلى منزلك شخص ما أبلغ عن اعتـ . ـــدا.
توالت الأحداث بعدها بسرعة مرعبة.
داهمت الشرطة شقتنا قبـ . ــض على دانيال بتهمة الاعتـ . ـــدا والعنــ . ــف المنزلي وتعريض حياة امرأة حامل وطفلين للخطر. وتم التحقيق مع ليزا لأنها شاركت في الواقعة وصورتها دون تدخل بينما حاولت كارين بكل ما تملك من قوة وسمعة المطالبة بالمال وحتى بكفالة الحضانة! لكن المحكمة رفضت ذلك تماما مستندة إلى الفيديو والتقارير الطبية وشهادات الطاقم الطبي.
وفي النهاية حصلت على الحضانة الكاملة لطفلي أليكس وإيثان وعلى الجائزة المالية التي حاولوا انتزاعها بالقوة.
استخدمت جزءا يسيرا من المال لإنشاء منظمة خيرية سميتها ملجأ الأمان للأمهات مركز يقدم الدعم والمأوى للحوامل اللاتي يعانين من العنــ .
ــف الأسري. قابلت عبره نساء لا تختلف قصصهن كثيرا عن قصتي نساء حملن العالم فوق أكتافهن وصمدن رغم كل شيء. كن يذكرنني بأن القوة لا تأتي من عدم السقوط بل من القدرة على الوقوف بعد كل سقوط. انتقلت إلى شقة جديدة في الجانب الآخر من المدينة بعيدا عن الظلال الثقيلة التي كانت تطاردني. كنت أراقب طفلي يكبران أمامي آمنين محاطين بالحب وكل ليلة حين أضعهما في سريريهما أتذكر ذلك الصباح الذي ظننت فيه أن حياتي انكسرت بلا رجعة. أتذكر اللكمة السقوط الذعر والصوت الذي بداخلي وهو يصرخ طالبا النجاة.
لكني نجوت.
ولم أنس.
لكنني سامحت ليس ضعفا ولا نسيانا وإنما لأن الغضــ . ــب لو ظل داخلي لأمسكني أسيرة لأولئك الذين دمروني. ولأنني قررت أن لا أمنحهم سلطة على مستقبلي ولا على مستقبل طفلي.
واليوم وأنا أكتب حكايتي أعلم أن ما مررت به ليس مجرد قصة بل شاهد على أن الصمت يقــ . ـــتل وأن الخوف يربط الأيدي وأن كلمة واحدة قد تنقذ حياة كاملة. لذلك إن كنت تعرف امرأة تتعرض للعنــ . ــف أو كنت أنت تلك المرأة فلا تصمتي. لا تنتظري. اطلبي المساعدة. تكلمي. فالعنــ . ــف ينمو في الظلام ولا ينتهي إلا حين يرفع أحدهم صوته.
هذه حكايتي وهذه نجاتي وهذه دعوتي لكل امرأة تكافح في صمت
أنت أقوى مما تظنين وحياتك أثمن مما يعتقدون وصوتك قادر على كسر السلاسل التي حاولوا أن يقيدوك بها.


