ما حكم جما.ع الغيـ.ـ.لة للزوجين ؟ الافتاء يقول انها من المـ .. عرض المزيد

**حكم “الغيلة” في الإسلام: بين المفهوم الشرعي والتوجيه النبوي**
تعتبر القضايا المتعلقة بالحياة الزوجية وتفاصيلها الدقيقة من الأمور التي أولاها الإسلام عناية بالغة، حيث لم يترك شاردة ولا واردة إلا ووضع لها ميزانًا من الشرع يضمن سلامة الفرد والأسرة. ومن بين هذه المسائل ما يُعرف بـ “الغيلة” أو “جماع الغيلة”، وهي مسألة قد يختلط مفهومها أو حكمها على البعض. يتناول هذا المقال تعريف الغيلة، وحكمها الشرعي استنادًا إلى السنة النبوية، ورأي العلم والفقهاء في تأثيرها.
**أولاً: تعريف الغيلة لغةً واصطلاحاً**
**الغيلة** (بكسر الغين) في اللغة تأتي من الاغتيال أو الأخذ على حين غرة. أما في الاصطلاح الشرعي وعند العرب قديماً، فقد ورد لها معنيان رئيسيان:
1. **المعنى الأول:** هو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضعة.
2. **المعنى الثاني:** هو أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.
والمقصود في سياق الحكم الشرعي الذي نحن بصدده يشمل الحالتين، حيث كان الاعتقاد السائد قديماً عند العرب أن حدوث الحمل أثناء الرضاع قد يفسد الحليب ويضر بالطفل الرضيع، مما جعلهم يتجنبونه أحياناً.

 

 

**ثانية: الأحاديث النبوية الواردة في الغيلة**
تعد السنة النبوية المصدر الأساسي لتوضيح حكم الغيلة، وقد ورد حديث صحيح وصريح يقطع الشك باليقين في هذه المسألة.
عن جُدامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
**”لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضر أولادهم”**. (رواه مسلم).
وفي رواية أخرى للإمام مالك في الموطأ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
> **”إن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله ﷺ: لم تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها (أي من الغيلة). فقال رسول الله ﷺ: لو كان ذلك ضاراً لضر فارس والروم”**.

 

 

 

**ثالثاً: الحكم الشرعي (آراء الفقهاء ودور الإفتاء)**
بناءً على التوجيه النبوي الكريم، استقر رأي جمهور العلماء وكافة المذاهب الفقهية، بالإضافة إلى ما تفتي به دور الإفتاء المعتبرة (مثل دار الإفتاء المصرية والرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء)، على ما يلي:
**1. الإباحة والجواز:**
حكم الغيلة هو **الإباحة**، فهي ليست محرمة ولا مكروهة كراهة تحريم. والسبب في ذلك هو تراجع النبي ﷺ عن النهي عنها بعدما رأى الواقع العملي عند الأمم الأخرى (الروم وفارس) الذين كانوا يمارسون حياتهم الزوجية أثناء الرضاع ويحملون، ولم يكن ذلك يسبب ضرراً محققاً لأطفالهم يؤدي إلى الهلاك أو الضعف الشديد.

 

 

**2. الحكمة من عدم التحريم:**
يعلمنا هذا الحكم مبدأً هاماً في التشريع الإسلامي، وهو أن الأحكام تدور مع العلل وجوداً وعدماً، وأن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج ما لم يثبت الضرر. فالنبي ﷺ “همّ” بالنهي (أي فكر فيه) خوفاً على صحة الطفل الرضيع، لأن العرب كانت تعتقد أن “لبن الحامل داء”، ولكن عندما ثبت بالتجربة والمشاهدة الواقعية لدى الأمم الأخرى عدم وقوع الضرر، صرف النظر عن النهي وأقر الإباحة.
**3. ما يتردد عن الكراهة:**
بعض الآراء القديمة جداً أو الشاذة قد تشير إلى الكراهة التنزيهية من باب الاحتياط الطبي البحت وليس التحريم الشرعي، ولكن القول الراجح والمعتمد هو الجواز المطلق، خاصة مع توفر التغذية البديلة والرعاية الطبية في عصرنا الحديث، مما ينفي علة الخوف من ضعف الطفل.

 

 

**رابعاً: المنظور الطبي والاجتماعي الحديث**
في الماضي، كان اعتماد الطفل الرضيع كلياً على حليب الأم. وكان الخوف يكمن في أن حدوث حمل جديد قد يغير من هرمونات الأم ويؤثر على جودة الحليب أو كميته، مما قد يؤدي إلى ضعف الرضيع (وهو ما كان يُسمى بـ “الضوى”).
أما في العصر الحديث، فقد اختلف الوضع لعدة أسباب تدعم حكم الإباحة:
* **توفر البدائل:** وجود الحليب الصناعي والأغذية المكملة يجعل اعتماد الطفل على حليب أمه ليس مصيرياً وحيداً كما كان في السابق.
* **الرعاية الصحية:** يمكن للأم الحامل والمرضع متابعة حالتها الصحية وتناول المكملات الغذائية لضمان سلامتها وسلامة الجنين والرضيع معاً.

 

 

**خامسة: خلاصة القول**
إن الإسلام دين يجمع بين النقل والعقل، وبين النص والمصلحة. وحكم “جماع الغيلة” (جماع الزوجة المرضعة) هو **حلال وجائز شرعاً** بلا كراهة، استناداً إلى تراجع النبي ﷺ عن النهي عنه بعد تأكد عدم ضرره.
وعليه، فلا حرج على الزوجين في ممارسة حياتهما الطبيعية أثناء فترة الرضاعة، ولا إثم عليهما إذا حدث حمل أثناء الرضاعة. ويبقى الأمر خاضعاً للتشاور بين الزوجين ومراعاة الحالة الصحية للأم والطفل، فإذا ثبت طبياً في حالة خاصة ونادرة أن ذلك يضر ضرراً بالغاً بأحدهم، هنا تطبق القاعدة الفقهية العامة “لا ضرر ولا ضرار”، ويتم العمل بالنصيحة الطبية، لا لأن الغيلة محرمة لذاتها، بل لدفع الضرر الطارئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى