وجـ,ـع من نوع اخر.. (من حكايات أسما)

فـي جـ,ـنـازة زوجـي قالـت لي ابنتي أمام الجميع: “كان يجب أن تكوني أنتي داخل النعش وليس أبي”.. صمت وابتلعت الإهـ,ـانة بلا رد ولا تبرير، وبعـد أسبـوع واحـد فقط جـعلتها تفـهم معنى الخـ,ــيانة الحقيقية.
في يوم جنازة زوجي “محمود عبد الرازق” شريك عمري لسبعة وعشرين عامًا، كان هواء مقابر الإمـام الشافعي ثقيلًا كأنه حجر فوق الصدر، وكنت واقفة بملابس سوداء كاملة أصابعي متشابكة بقوة حتى لا يلاحظ أحد ارتعاش يدي، فقد رحل محمود فجأة بأزمة قلبية والوجع كان طازجًا لدرجة أن كل نفس كان يؤلم.

  العائلة كلها.. إخواته.. أقارب بعيدين ومعهم ابنتنا الوحيدة “نور عبد الرازق” ذات الاثنين والعشرين عامًا. نور كانت دائمًا قوية حادة أحيانًا، لكن في ذلك اليوم نظرتها كانت مختلفة، لم تبكي لم تنكـ,ـسر، كانت تراقبني بتركيز أربكني..
بعدما أنهى الشيخ كلمته وبدأ الناس يهمسون، تقدمت نور خطوة للأمام، لم ينادها أحد لكنها تحركت وحدها حتى صارت قريبة من النعش، وساد صمت ثقيل ثم قالت بصوت واضح بارد أمام الجميع:
“أنتي اللي كان المفروض تبقي هنا مش بابا”.

    في لحظة واحدة حسيت الأرض بتسحب من تحت رجلي، شهقات مكتومة خرجت من بعض الحاضرين، أخت محمود حطت إيدها على بقها وأنا بصيت لبنتي من غير كلمة، نور ثبتت عينيها في عيني بتحدي كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان.
ما اعترضتش، ما صرختش، ما دافعتش عن نفسي، بس بلعت ريقي وخفضت نظري. عرفت في اللحظة دي إن أي رد هيحول الجنازة لساحة فضـ,ـيحة، وكملنا الدفـ,ـن وسط توتر خانق ونور بعدت عني وما قربتش تاني.
الأسبوع اللي بعده كان تقيل..

كلماتها كانت تطاردني ليل نهار، وافتكرت سنين التضـ,ـحية، الخـ,ـلافات اللي كنت بدخل فيها مع محمود بسبب تربيتها، اللحظات اللي كنت أنا فيها الأم الصارمة وهو الأب الحنون. وافتكرت كمان حاجة تانية.. وصية كتبناها أنا وهو من خمس سنين.    

بعد أسبوع بالظبط كنت قاعدة لوحدي في أوضة المكتب والورق قدامي، فتحت الملف وبصيت على التوقيعات وخدت نفس عميق وقفلته. ساعتها عرفت إني على وشك قرار هيغير كل حاجة للأبد، قرار يخلي بنتي تحس لأول مرة باللي حسيته أنا يوم ما قالت كلمتها قدام النعـش.
بعد ما قفلت الملف فضلت قاعدة قدامه فترة طويلة من غير ما أتحرك، كنت سامعة صوت محمود في وداني وهو بيقولي دايمًا إن التربية مش دلع، وإن الحب مش دايمًا صوت وحنان، أحيانًا بيبقى حدود وصرامة، بس نور عمرها ما فهمت ده.

بالنسبة لها أنا كنت الأم القاسية اللي بتقول “لأ”، وهو كان الأب اللي بيقول “حاضر” ويمسح على راسها ويدافع عنها حتى لما تكون غلطانة، وكنت بسكت علشان ما أهدش صورته في عينيها ولا أطلع أنا الشريرة وهو الملاك.  

افتكرت أول مرة دخلنا في خناقة كبيرة بسببها، كانت عندها ستاشر سنة لما اكتشفت إنها بتزوغ من المدرسة وبتقابل شاب أكبر منها، ووقتها أنا اللي وقفت وقلت لا، ومحمود قال سيبيها تتعلم من غلطها، وما بين خوفي عليها وحرصي عليها اتزرع في قلبها إن أمها عدوها وإن أبوها ملجأها الوحيد، ومع السنين الفكرة دي كبرت.
بعد وفـ,ـاته فجأة لقيت نفسي واقفة قدام بيت مليان ذكريات وأوضة نوم فاضية وصمت تقيل، ونظرة بنت شايفة إني السبب في كل وجعها، كأن مـ,ـوت أبوها حساب لازم حد يدفعه وأنا كنت أقرب واحد.

قعدت الأسبوع ده أراقبها من بعيد وهي ماشية في البيت ببرود، بتدخل وتطلع من غير سلام من غير كلام، بتقفل أوضتها بالساعات وبتكلم صاحباتها بصوت عالي كأنها بتتأكد إني سامعاها وكأنها عايزة تثبت إن وجودي مالوش وزن. وفي مرة سمعتها بتقول في التليفون: “أمي عمرها ما حبتني زي بابا، هي السبب في تعاسته وهي اللي كتمت عليه لحد ما قلبه وقف”.    

الجملة دي ما كسـ,ـرتنيش بس ثبّتت القرار جوايا.
رجعت للوصية من غير تردد المرة دي، قريتها كلمة كلمة. محمود كان كاتب كل حاجة بوضوح: البيت، الأسهم، الحسابات البنكية، قطعة الأرض اللي اشتريناها زمان باسم نور علشان تبقى أمانها الوحيد، وكنت أنا الوصية القانونية لحد ما تتم خمسة وعشرين سنة.
الوصية كانت عادلة زيادة عن اللزوم، وكان فيها بند صغير محدش خد باله منه غيري، بند بيقول إن الوصية قابلة للتعديل من الطرف الحي في حالة وجود “إساءة جسيمة أو قطيعة متعمدة أو إساءة سمعة علنية”.

قعدت أبص للبند ده طويل، وافتكرت نظرتها في الجنازة وكلمتها اللي خرجت منها ببرود قدام الناس كلها، افتكرت إزاي ما اعتذرتش ولا حتى بعد ما رجعنا البيت ولا حاولت تبرر ولا قالت كلمة تخفف الوجع. ساعتها بس فهمت إن السكوت اللي عملته في الجنازة كان لازم يكمله فعل.  

اتصلت بالمحامي وطلبت معاد عاجل. دخلت مكتبه وأنا هادية بشكل غريب، ما كانش في دموع ولا عصبية، كنت حاسّة إني بمشي في طريق واحد واضح. شرحتله اللي حصل وورّيته الوصية والبند، وقاللي بهدوء قانوني بارد: “عندك حق تعدلي وتجمّدي نصيبها مؤقتًا لحد ما تتحسم العلاقة أو يصدر قرار قضائي”.
قلتله: “أنا مش عايزة أحرمها، أنا عايزة أوقف الزمن عند اللحظة اللي كسـ,ـرتني فيها”.
بعدها رجعت البيت واستنيت نور ترجع. دخلت عليّ الأوضة من غير ما تخبط وبصتلي بنظرة مليانة تحدي وقالت: “خير عايزة ايه؟”.
بصتلها بهدوء لأول مرة من غير خوف ولا ضعف وقلت لها: “تعالى اقعدي”.

ضحكت بسـ,ـخرية وقالت: “مش فاضية”.   قلت لها: “الورق ده يخصك ويخص أبوك”.
وقتها بس قعدت وهي متحفزة، وأنا فتحت الملف وحطيت الوصية قدامها وقلت لها بهدوء: “الأسبوع اللي فات في الجنازة اخترتي تقولي كلمة ما ينفعش تتنسى ولا تتاخد على إنها غضب لحظة، الكلمة دي كانت قطيعة علنية وإهانة مقصودة”.
قاطعتني وقالت: “وأنا قلت الحقيقة”.
هزيت راسي وقلت: “الحقيقة ما بتتقالش على نعش ولا قدام ناس ولا بالشكل ده، الحقيقة مسؤولية مش سـ,ـكين”.
قلبت الصفحة وقلت لها: “بموجب البند ده، أنا قررت أجمّد كل حاجة باسمك لحد إشعار آخر، لا فلوس ولا بيت ولا أرض”.

وشها شحب لأول مرة وصوتها علي وقالت: “إنتي مجنـ,ـونة دي فلوسي!”.
بصتلها وقلت: “دي أمانة أبوك وأنا اللي شايلها، ولو شايفة إنك تستحقيها لازم تفهمي الأول معنى اللي عملتيه”.
قامت واقفة وزعقت وقالت: “هقاضيك”.  

قلت لها: “القانون معايا والمفروض إنك تعرفي ده كويس”.
خرجت من الأوضة وهي بتترعش والغضب مالى وشها، وبعدها بيومين مشيت من البيت وقطعت كلامها معايا تمامًا.
عدت شهور وأنا لوحدي، البيت هادي زيادة بس قلبي كان أهدى من زمان. كنت بفتكر محمود وأقول لنفسي يمكن لو كان عايش كان هيزعل من قراري، بس كنت متأكدة إن لو كان شاف نظرتها وكلمتها كان هيعرف إني ما عملتش كده انتـ,ـقام، أنا عملته علشان أوقف نـ,ـزيف احترام.
بعد ست شهور رجعت نور طلبت تقابلني. كانت أهدى، صوتها واطي وقالت: “أنا محتاجة أتكلم”.

قعدت قدامي وعيطت لأول مرة وقالت إنها حست بالضياع لما كل حاجة اتقفلت في وشها، وإنها لأول مرة تفهم إن الأمان مش حق مكتسب وإن الكلمات ممكن تقـ,ـتل زي السـ,ـكاكين.     سمعتها من غير ما أقاطع، ولما خلصت قلت لها: “أنا ما حرمتكيش، أنا وقفتك عند خط لازم تفهميه قبل ما تكملي”.
وساعتها بس شفت في عينيها حاجة اتغيرت، مش ندم كامل ولا اعتذار واضح، بس وعي جديد.
يمكن ما بقتش البنت اللي كنت أتمنى تكونها، بس على الأقل ما بقتش البنت اللي قدرت تقول لأمها قدام نعش أبوها إن مكانها جوه..
**تمت**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى