
جوزي كسر دراعي وحبسني في المخزن القديم اسبوع كامل ليهرب مع عشيقته لكنه لم يكن يعلم أن والدي الرجل الهاديء سيجعله عبره لمن يعتبر…
اسمي داليا منصور، أبلغ الرابعة والثلاثين، وسبع سنوات عشتها أظن أنني زوجة رجل عادي…
كان شريف الكومي يبدو مثاليًا في العلن… أنيقًا في حضوره….محترمًا داخل في شركته، وصورة لا تشوبها شائبة أمام عائلتي….
لكن الحقيقة انكشفت في ليلة شتوية باردة، حين عدت إلى البيت قبل موعدي فوجدت سيارته متوقفة أمام المدخل. كانت الأنوار مطفأة، غير أن ضحكات مكتومة تسللت إلى أذني.
لم أصرخ….فتحت الباب، ورأيت ما لا يحتاج إلى تفسير….شريف ومعه نورا الشاذلي….مساعدته في العمل… في مشهد لا يترك مجالًا للأعذار. لم تكن هناك كلمات، فقط غضب أعمى.
دفعني شريف بعنف….تدحرجت على درجات السلم الخلفي، وسمعت ذلك الصوت الجاف قبل أن أشعر بالألم. كانت ساقي اليسرى منثنية بلا حول ولا قوة. نزل هو ببرود مرعب، وقال بصوت خافت لكنه حاسم…لن تدمري حياتي.
سحبني إلى غرفة التخزين أسفل البيت…كانت بلا نوافذ، باردة، تفوح منها رائحة الرطوبة. وأغلق الباب بإحكام.
أسبوع واحد، قالها وهو يدير المفتاح، وستتعلمين فيه كيف تصمتين للابد….!
وقفت نورا تراقب بصمت، وعلى شفتيها ابتسامة لا تزال تحرقني حتى الآن…كان اليومين الاولين جحيمًا خالصًا.
لا هاتف، زجاجة ماء واحدة في اليوم، وقطع خبز يابسة تُلقى على الأرض. كانت ساقي متورمة، والألم لا يهدأ. حاولت أن أصرخ، لكن البيت كان معزولًا، والجدران سميكة…
كان شريف يأتي أحيانًا فقط ليستفزني، يكرر أن أحدًا لن يبحث عني، وأنني مختله ، وأن كلمة واحدة مني ستكلفني حياتي.
كان يجهل شيئًا واحدًا.
والدي، حسن منصور، لم يكن الرجل المتقاعد الهادئ الذي يظنه الجميع…
في اليوم الخامس، سمعت شريف يتحدث في الهاتف خارج الغرفة. قال إنه سيبيع البيت ويختفي مع نورا، وأنني سقطت بمفردي..
عندها لاحظت الشق الصغير أسفل الباب، وتذكرت حيلة قديمة علّمني إياها أبي في طفولتي… إشارات بسيطة، منتظمة، لا تخطئها الأذن المدربة…
طرقت الأرض ثلاث مرات، توقفت، ثم ثلاث مرات أخرى، في كل مرة كنت أسمع فيها خطوات حارس الليل التابع لمجمع الفيلات.
وفي ليلة اليوم السابع، اختلط صوت المفاتيح بصراخ في الردهة.
انفتح الباب أخيرًا… لكن لم يكن شريف.
كان رجلًا يرتدي بدلة داكنة، في أذنه سماعة اتصال، وخلفه اثنان آخران. قال أحدهم عبر جهازه بنبرة رسمية: “تم تأكيد الموقع افتحوا الغرفة بحذر”.
وفي اللحظة التي دخل فيها الضوء القوي إلى عيني شعرت أنني أخرج من بئر مظلم إلى عالم لم أعد أصدق أنه موجود كان جسدي منهكًا وساقي تؤلمني حتى التنفس صار جهدًا لكن أكثر ما أوجعني لم يكن الكسر ولا الجوع بل الإحساس أنني تُركت لأموت عمدًا على يد رجل شاركته حياتي.
تقدّم الرجل ذو البدلة الداكنة نحوي وانحنى قليلًا وقال بهدوء يطمئن أكثر مما يسأل:
“آنسة داليا نحن من طرف والدك كل شيء انتهى الآن”.
لم أتمكن من الرد فقط انهرت وبكيت بكاءً بلا صوت كأن الدموع وحدها تعرف الطريق بعد أسبوع من الصمت القسري.
حملني اثنان بحذر وخرجوا بي من الغرفة التي كنت أظنها قبرًا مؤجلًا وفي الردهة رأيت آثار الفوضى التي لم أفهمها حينها أبواب مفتوحة أدراج مقلوبة وصوت صفارات بعيد ثم رأيته شريف مكبل اليدين على الأرض ووجهه الذي كان باردًا طوال الأسبوع صار شاحبًا مرتجفًا كمن أدرك أخيرًا أنه أخطأ الحساب.
لم ينظر إليّ بل كان ينظر إلى رجل يقف في نهاية الردهة رجل طويل مستقيم الظهر رغم عمره ملامحه هادئة لكن عينيه تحملان صرامة لم أرَ مثلها من قبل كان أبي حسن منصور الرجل الذي قضى عمره كله في العمل الصامت ولم يرفع صوته يومًا في بيتنا الرجل الذي كان شريف يسخر منه أحيانًا ويصفه بالمسالم الزائد.
اقترب أبي خطوة واحدة فقط وقال بصوت منخفض لكنه مسموع للجميع: “انتهت اللعبة يا شريف”.
لم يصرخ لم يشتم لم يهدد لكنه قال جملة واحدة كافية لتحطيم من يسمعها كنت واثقًا أنك ستخطئ لأن أمثالك يظنون أن الهدوء ضعف.
في المستشفى علمت ما حدث خلال الأيام السبعة التي ظن شريف أنه اختفى فيها بلا أثر أبي لم ينتظر اتصالًا ولم يكتفِ بالبلاغ الرسمي حين انقطعت أخباري بل بدأ بنفسه شبكة من التحركات الهادئة سأل حارس المجمع راقب الكاميرات القديمة استعاد تسجيلات محذوفة تواصل مع صديق قديم في جهاز رقابي كان يدين له بفضل قديم لم يُذكر يومًا.
لم يكن أبي رجل نفوذ لكنه كان رجل سمعة وهذه أخطر سلطة حين تُستخدم في الوقت الصحيح.
خلال يومين فقط صار اسم شريف تحت المراقبة وتحوّل هروبه المخطط مع نورا إلى فخ محكم.
أما نورا فقد اختفت في اللحظة الأولى وحين قبضوا عليها لاحقًا حاولت إنكار كل شيء لكن التسجيلات وشهادة الحارس الذي سمع الإشارات التي طرقتها بقدمي ليالي متتالية كانت كافية لإسقاط كل رواياتها.
في غرفة العناية جلس أبي بجواري يمسك يدي كما كان يفعل حين كنت صغيرة وقال بصوت دافئ متماسك:
“أنا قلت لك زمان يا داليا الهدوء مش معناه إن الواحد ما يعرفش يضرب بس معناه إنه يختار الضربة اللي تخلص الموضوع”.
تعافيت ببطء الجبس على ساقي والكوابيس في رأسي لكن شيئًا واحدًا كان يشفيني أكثر من الدواء إحساسي أنني لم أُترك وحدي وأن العدالة وإن تأخرت جاءت كاملة.
في المحكمة حاول شريف لعب دور الضحية ادعى أنني سقطت وحدي وأنني مريضة نفسيًا وأن حبسه لي كان لحمايتي لكن الحقائق لا تحب الأقنعة شهادة الأطباء تقرير الإصابات تسجيلات الكاميرات وشهادة نورا نفسها حين انهارت كل ذلك صنع ملفًا لا يرحم.
حين صدر الحكم لم أفرح لم أصفق فقط أغمضت عيني وشعرت أن الهواء عاد إلى رئتي.
بعد أشهر عدت إلى بيت أبي لم أعد الزوجة التي تنتظر ولا المرأة التي تخاف من المواجهة صرت امرأة تعرف أن الصمت ليس دائمًا فضيلة وأن النجاة أحيانًا تبدأ بطرقة صغيرة منتظمة على أرض مظلمة.
أما أبي فعاد إلى هدوئه المعتاد يجلس في شرفته يشرب الشاي ويبتسم كأن شيئًا لم يحدث لكنني كلما نظرت إليه رأيت الرجل الذي لم يحتج إلى صراخ ليعلمني أن القوة الحقيقية لا تُستعرض بل تُستخدم حين يصبح الصمت خطرًا.
وهكذا انتهت قصة ظنها شريف جريمة بلا شهود لكنها بدأت من حيث لم يتوقع من رجل هادئ جعل من ابنته عبرة واحدة لا تُنسى لمن ظن أن العنف طريق للنجاة.


