رماني بكلمة

نزلت لمستواهم، ومسحت على شعر سيف الناعم اللي وارثه من أبوه، وبصيت في عيون تاليا العسلي اللي زي عيون أبوها بالظبط.
قلت لهم بحماس: “يا ولاد.. إحنا هنروح فرح بكرة.
حمزة بصلّي ببرائة وسأل: “فرح مين؟ وهنلبس بدل؟”
بلعت ريقي بصعوبة، وقفت وعدلت ضهري بكل كبرياء: “أيوة يا حبيبي.. هنلبس أشيك لبس عندنا.. عشان ده أهم فرح هنروحه في حياتنا.”
لبست فستاني الأحمر الناري، ولبستهم بدل صغيرة وفساتين زي الأمراء. وركبت العربية وأنا عارفة حاجة واحدة بس..
أول ما هشام هيلمحني داخلة، وماسكة في إيدي تلات نسخ طبق الأصل منه.. الليلة اللي فاكرها ليلة عمره.. هتتحول لكابوس مش هيصحى منه..

 

وصلنا القاعة. الباب اتفتح.. والمزيكا كانت عالية.. بس أنا كنت سامعة دقات قلبي بتدق
طبول الحرب. أخدت نفس عميق، وشديت إيد ولادي.. ودخلنا.
أول ما دخلنا، المزيكا كانت عالية، والناس بتزغرد، والعريس واقف جنب العروسة مبتسم بثقة اللي فاكر نفسه كسب الجولة الأخيرة.
بس…
الابتسامة دي ماتت على وشه أول ما عينه وقعت عليّ.
ثانية…
اتنين…
تلاتة…

 

 

وشه شحب كأنه شاف شبح.
عينيه نزلت من على وشي… على إيدي…
ومن إيدي… على التلاتة اللي ماسكين فيها.
سيف.
حمزة.
تاليا.
نسخ طبق الأصل منه.
نفس المناخير.
نفس الحواجب.
نفس الوقفة اللي كان بيقفها وهو متعصب.
سمعت همهمة في القاعة:
– “دول ولاد مين؟”
– “إزاي شبه العريس كده؟”
– “هي الست دي مين؟”
شيرين قربت منه وهمست:

 

“مين دي يا هشام؟”
بس هشام ما كانش قادر يرد…
كان واقف مبرق…
كأن لسانه اتشل.
مشيت بخطوات هادية… كعبي العالي كان بيخبط على الأرض زي عد تنازلي لفضيحة.
وقفت قدامه مباشرة.
ابتسمت ابتسامة هادية موجعة وقلت بصوت واطي بس واصل للكل:
“مبروك يا هشام.”
بلع ريقه:
“ن… نور؟!”
بصيت على شيرين، ومديت إيدي بابتسامة اجتماعية مهذبة:
“أنا نور… مراته السابقة.”
شيرين شدّت إيدها بتوتر:

 

 

“سابقة؟”
قبل ما هو يرد…
حمزة شد طرف فستاني وقال بصوت عالي بريء:
“مامي… هو ده بابا؟”
القاعة كلها سكتت.
ولا نفس.
شيرين بصتله كأنها بتسمع حكم إعدام:
“إيه؟!”
سيف قرب خطوة وقال بثقة طفل:
“إحنا التلاتة ولاده.”
تاليا رفعت راسها وقالت:
“الدكتورة قالت عندنا نفس العيون.”
حسيت الدنيا بتلف حوالين هشام.
مسك في الكرسي وراه علشان ما يقعش.
صرخ:
“إنتي… إنتي كنتي حامل؟!”
بصيت له في عينه لأول مرة من سنين، وقلت بهدوء قاتل:

 

“أيوة… من نفس اليوم اللي قلتلي فيه:
(إنتي أرض بور).”
همهمة انفجرت في القاعة زي قنبلة.
شيرين بصوت عالي هستيري:
“يعني… العيب ما كانش فيها؟!”
سكت…
ما عرفش يرد.
قربت خطوة وقلت بصوت مسموع:
“الدكتور قال إن المشكلة كانت عندك… بس أنت ما استنيتش.
كسرتني… وطلقتني… ومشيت تدور على العزوة برّه،
والعزوة كانت في بطني.”
وشه بقى أزرق.
العرق سايح.
البدلة اللي كان فخور بيها بقت تقيلة عليه كالكفن.
شيرين رفعت فستانها وقالت قدام الناس:
“أنا مش هتجوز واحد عنده تلات عيال مخبيهم عني!”
ورمت الطرحة على الأرض ومشيت.

 

 

الزغاريد اتحولت لصريخ.
المزيكا وقفت.
والناس ابتدت تمشي واحدة ورا التانية.
فضل هشام واقف في نص القاعة…
لوحده…
زي تمثال مكسور.
بصيت له آخر مرة وقلت:
“كنت عايز عزوة؟
اهي العزوة…
بس مش ليك.”
لفّيت، مسكت إيد ولادي، ومشينا.
وإحنا خارجين، سمعت صوته ورايا مكسور:
“نور… استني… أنا أبوهم…”
وقفت…
بس ما بصّتش له.
قلت بصوت ثابت:
“الأب مش اللي يخلف…

 

الأب اللي يصون.
وإنت اخترت تمشي.”
وخرجت.
الهواء برا القاعة كان أخف.
الدنيا أوسع.
والنور في وش ولادي كان أعلى من أي نجفة في الفرح.
سيف قال:
“مامي… إحنا كسبنا؟”
نزلت لمستواهم، حضــ,نتهم التلاتة وقلت:
“لا يا حبيبي…
إحنا نجينا.”
ركبت العربية…
والفرح اللي كان داخل القاعة اتحول ورا ضهرنا لجنازة غروره.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى