
قبل ما أنزل الشغل، جارتي وقفتني وسألتني: “هو جوزك بيشتغل من البيت؟” استغربت وقلت لها: “لا طبعًا… بيروح الشركة كل يوم.” بصّتلي بنظرة غريبة وقالت: “أصل أنا بشوفه كل يوم بعد الضهر داخل البيت.” الكلام نزل عليّ زي حجر في صدري بقلم منــال عـلـي كنت نازلة الشغل الصبح، مستعجلة ومعايا شنطتي وقهوتي، وبفكر في المشاوير اللي ورايا.. فجأة لقيت جارتي “مدام عفاف” بتناديني وهي واقفة قدام باب شقتها وبتبص لي بنظرة غريبة. قربت مني وقالت بصوت واطي: “بقولك
يا نهى.. هو جوزك بيشتغل من البيت؟” ضحكت وقلت لها: “لا طبعاً يا مدام عفاف، حازم مهندس وفي الموقع من الصبح، ليه فيه حاجة؟” ملامحها اتغيرت وقالت بتردد: “غريبة.. أصل أنا بشوفه راجع البيت كل يوم العصر.. بالثانية، الساعة اتنين أو تلاتة بالظبط.” ابتسامتي اختفت وقلت لها: “مستحيل، حازم بيرجع متأخر جداً وساعات بيسهر في الشغل.” بقلم منال علي هزت كتافها وقالت: “أنا مش عاوزة أعمل مشاكل، بس أنا ساكنة هنا من خمس سنين وعارفة شكل جوزك كويس.. بيدخل، يقفل الستائر، ومبيخرجش غير بالليل.” حصري علي صفحه روايات واقتباسات طول اليوم في المكتب ومخي مش بيبطل تفكير.. “بيقفل الستائر؟ ومش بيخرج؟” هل خسر شغله ومخبي عليا؟ ولا فيه حد في حياته؟ ولا الموضوع وراه كـ,ـارثة تانية؟ حازم رجع البيت الساعة 7:30 كالعادة، هادي، بيسلم عليا وببيسأل ببرود: “العشا إيه النهاردة؟” كان طبيعي لدرجة مرعبة.. لدرجة خلتني أشك في عقلي. تاني يوم الصبح، قررت ألعب اللعبة للآخر.. لبست ونزلت، ودعت حازم، وركبت عربيتي ولفيت من ورا
العمارة، ورجعت دخلت الشقة من غير ما حد يحس.. استخبيت في أوضه اللبس بين الهدوم القديمة، وقلبي بيدق لدرجة كنت خايفة هو يسمعها. مرت ساعة.. اتنين.. وفجأة، سمعت صوت المفتاح في الباب. خطوات داخلة الشقة.. حازم رجع.. بس مكنش لوحده! حبست أنفاسي وجسمي كله بيترعش لما سمعت صوت راجل تاني معاه، صوته غليظ وهادي.. حازم سأل بتوتر: “إنت متأكد إنها مشيت؟” الراجل رد ببرود: “آه، عربيتها مش موجودة، ومش هترجع قبل ساعات.” دمي نشف في عروقي.. كانوا بيتكلموا عليا! حازم اتنهد وقال: “أنا مش هقدر أكمل في التمثيلية دي كتير.” الراجل ضحك وقال له: “مش محتاج تكمل.. بمجرد ما الموضوع يخلص، كل حاجة هتبقى ملكك.” “كل حاجة؟”.. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. حازم رد: “بس هي لسه ما مضتش على التنازل.. كل شوية تأجل.” بقلم منــال عـلـي الراجل رد بنبرة تخوف: “خلاص.. يا تمضي بالذوق، يا نخليها تختفي خالص.. وفي الحالتين إنت هتبقى حُر.” حازم ما اعترضش.. ما دافعش عني! بالعكس، قال بلهجة قلقة: “أنا بس مش عاوز الموضوع يثير الشكوك.” وفجأة الراجل سأل سؤال خلاني أتسمّر مكاني: “بقولك….. إنت طلعت
صيغة دهب مامتها فوق ولا لسه؟” ….. كملت واقفة مكاني وأنا حابسة نفسي… “صيغة دهب مامتها؟!” يعني الموضوع مش بس تنازل… ده سـ,ـرقة كمان؟ حازم رد بصوت واطي: “لسه… فوق في الدولاب القديم. هي فاكرة إني مش عارف مكانه.” الراجل قال بحدة: “يبقى خلّص الموضوع النهارده. بكرة المحامي مستني الورق، والفلوس مش هتتحول غير لما كل حاجة تبقى باسمك.” قلبي كان هيقف. فلوس؟ تحويل؟ ورق تنازل؟ ده كانوا بيرتبوا ليا مصيبة كاملة! حازم قال بتردد: “طب لو رفضت؟” الراجل سكت لحظة… وبعدين قال جملة خلت رجلي تسيب: “يبقى الحادثة اللي فاتت كانت بروفة… والمرة الجاية مش هتقوم منها.” إيدي اترعشت. حادثة؟! أنا فعلاً كان حصلي حادثة بسيطة من شهر… عربية خبطتني ومشيت. حازم ساعتها قاللي “قدر ولطف”. طلع مش قدر…! الخطوات بدأت تقرب من أوضة النوم. واضح إنهم طالعين يجيبوا الدهب. في اللحظة دي، دماغي اشتغلت بسرعة عمري ما عشتها. كنت سايبة الموبايل في شنطتي… بس الشنطة في الصالة! والصوت قرب أكتر. فجأة… رن جرس الباب. الاتنين اتخضوا. صوت مدام عفاف من بره: “يا أستاذ حازم! افتح بسرعة! في مشكلة!” الراجل همس بعصبية: “مين دي؟!” حازم قال متوتر: “الجارِة…” مدام عفاف خبطت تاني وقالت بصوت أعلى:
“الشرطة تحت العمارة وعاوزينك!” الراجل جري ناحية الشباك، باين عليه ارتبك. حازم فتح الباب نص فتحة… وفجأة دخل اتنين ظباط فعلاً. “أستاذ حازم؟ معانا إذن ضبط وإحضار بتـ,ـهمة شروع في قـ,ـتل وتحريض.” الراجل حاول يهرب… بس كانوا مجهزين نفسهم. أنا خرجت من أوضة اللبس وأنا جسمي بيرتعش. مدام عفاف بصتلي وغمزتلي بخفة. طلعت هي اللي بلغت! اتضح إنها كانت شاكّة من فترة، وإنها شافت الراجل ده داخل خارج أكتر من مرة. ولما شافتني الصبح وأنا متوترة، فهمت إن في حاجة كبيرة… فاتصلت بابن أختها — ظابط. والتسجيلات؟ آه… أنا كنت مشغلة تسجيل صوتي في ساعتي الذكية من غير ما أحس. كل كلمة قالوها كانت محفوظة. حازم وهو بيتاخد مكبل، بصلي وقال: “كنت هنعمل كل ده عشان نبدأ حياة جديدة!” بصيتله بهدوء وقلت: “الحياة الجديدة بتتبني بالحب… مش بالدم.” بعد شهرين… اكتشفت إن الحـ,ـادثة فعلاً كانت مدبرة، وإن
التأمين على حياتي كان متجدد قبلها بأسبوع. طلقت حازم، وخدت نص كل حاجة بالقانون. وصيغة دهب ماما رجعت مكانها الطبيعي… في خزنة باسمي أنا. ومدام عفاف؟ بقت أكتر من جارِة… بقت أمان. أوقات الحقيقة بتوجع… بس الجهل كان هيكلفني حياتي. بعد ما حازم اتقبض عليه… افتكرت إن القصة خلصت. بس الحقيقة؟ كانت لسه بتبدأ. بعد أسبوع، جالي اتصال من رقم غريب. ردّيت بحذر. صوت ست كبيرة قال بهدوء: “أنا والدة حازم… وعايزة أقابلك.” قلبي اتقبض. كنت فاكرة إنها هتيجي تدافع عنه… أو تتهمني إني خرّبت بيته. لكن لما قابلتها، لقيت في عينيها حاجة تانية… خوف. قالتلي وهي ماسكة
إيدي: “إنتي مش أول واحدة.” حسّيت الأرض بتتهز تحتي. “يعني إيه؟” طلعت صورة قديمة من شنطتها. بنت جميلة… شابة… مبتسمة. “دي دينا… خطيبته قبلِك. فسخت الخطوبة بعد حادثة غريبة حصلت لها. كانت هتمـ,ـوت.” نفس الأسلوب. نفس “الحادثة”. نفس تجديد التأمين. بس دينا نجت… وسافرت بره البلد ومرفعتش قضية. أم حازم كانت ساكتة سنين… بتخاف من الفضيحة. لكن لما الشرطة جت البيت، عرفت إن السكوت كان أكبر غلطة. الموضوع طلع أكبر من مجرد طمع. الشريك اللي كان معاه؟ مسجل خطر في قضايا نصب وتأمين. حازم كان دايمًا يحلم بالفلوس السريعة… والمرة دي اختار أقصر طريق — وأوسخهم. المحاكمة خدت شهور. كل جلسة كنت بحضرها وأنا أقوى من اللي قبلها. أول مرة أشوفه من غير قناع. مش الراجل الهادي اللي كنت فاكرة إني أعرفه… لكن شخص غريب… بارد. وفي آخر جلسة، القاضي نطق بالحكم. سجن
مشدد… وتعويض. وأنا؟ خرجت من المحكمة وأنا مش بس مطلقة… أنا ناجية. بعد سنة… نقلت من الشقة. بدأت شغل جديد. اشتريت عربية باسمي. وعملت حاجة عمري ما كنت أتخيلها… فتحت صفحة على السوشيال ميديا بعنوان: “احكي قبل ما تسكتي.” كنت بحكي قصتي… من غير أسماء. والرسائل بدأت توصل. ستات كتير كانوا عايشين نفس الشك… نفس الخوف… بس مستنيين حد يقولهم: “إنتي مش مجنونة.” في يوم جالي مسج من رقم دولي. “أنا دينا.” قابلتها فيديو كول. ضحكتلي وقالت: “هو كان فاكر نفسه أذكى من الكل.” اتكلمنا ساعات. واتفقنا على حاجة واحدة… إننا مش ضحايا. إحنا شهود نجاة. وفي يوم، وأنا قاعدة بشرب قهوتي في شرفة بيتي الجديد… مدام عفاف بعتتلي رسالة: “العمارة هديت بعد ما مشيتي… بس وجودك كان نور.” ابتسمت. لأول مرة، حسّيت إن ربنا أنقذني مش بس من مـ,ـوت محتمل… لكن من عمر كامل كنت هعيشه في كذبة. وأتعلمت درس عمري ما هنساه: مش كل باب بيتقفل بيبقى خسارة… أوقات بيبقى حماية. لو القصة لمستك… افتكري دايمًا: حدسك مش عدوك… ده إنذارك الأول.


