
هربت على المطبخ، قعدت على الأرض وضميت رجلي لص.دري، وصوت ضحكهم بره كان بيدبح في روحي.. وسمعته وهو بيقولها بصوت واطي بس وصل لودني:
ـ “تعرفي يا مها.. لو كنت شوفتك بالفستان ده قبل ما أتجوز، كان زمان الدنيا اختلفت كتير.”
فضل صوت ضحكهم بره في الصالة يخرم ودان غادة وهي قاعدة على أرض المطبخ، كل ضحكة كانت سكاكين بتقطع في كرامتها. كلام جمال عن “الكراكيب” و”السن اللي مجرد رقم” لمها، وفكرة إنه كان “يتمنى يشوفها قبل الجواز” كانت بتتردد في عقلها زي الكابـ .ـوس.
مسحت دموعها بضهر إيدها وهي بتقوم تقف بتقل، كان جسمها كله بيترعش من القهر. راحت عند الحوض، بصت في المراية اللي عليه وشها كان باهت، عينيها منفخة من العياط، والهالات السودة تحت عينها بانت أكتر تحت ضوء المطبخ الباهت. مسكت إيدها وبصت لضوافرها اللي مابقتش موجودة أصلاً من غسيل الصحون وشغل البيت، ملامحها اللي كانت بتبان جميلة زمان، النهاردة حست إن جمال داس عليها وجمل مها جملتها في عينه.
رجعت مسكت كوباية العصير اللي كان جمال طالبها، كانت تقيلة في إيدها، كأنها بتشيل هم تقيل. حست بصعوبة في رجليها وهي بتمشي نحو الصالة، وصوت ضحكاتهم بيقرب، وكأن جمال بيكلم مها بصوت عالي ومباشر بس عشان يوصل غادة اللي في المطبخ.
فتحت باب الصالة ودخلت.. جمال كان قاعد على الكنبة، وشه كان مليان ابتسامة غريبة، ومها كانت قاعدة قصاده على كرسي منفرد، بتظبط فستانها اللي كان بيبرز تفاصيل جسمها المتناسق، وكأنها بتعرض نفسها عليه.
غادة مدت إيدها بالكوباية ووضعتها على الطاولة بجمود، وقبل ما تلحق ترجع خطوة، جمال مد إيده ومسك إيدها فجأة. بصتله بصدمة، لكن صدمتها كانت أكبر لما لقته بيضغط على إيدها بقسوة وهو بيبص لمها وبيقول:
ـ “بصي يا مها، أنا لسه بكلم غادة على الاهتمام بالصحة والرشاقة. يعني إحنا محتاجين نعمل دايت قاسي شوية يا غادة، ونهتم بنفسنا أكتر عشان نفضل حلوين، مش كده؟ بصي مها، ماشاء الله، تحسيها لسه بنوتة في الجامعة.. السن مابيبانش عليها خالص.”
غادة سحبت إيدها من إيده بسرعة وكأن ناــ,,ـر لمستها، حست بالإهانة في عيون مها اللي كانت بتبصلها بشفقة مصطنعة وممزوجة بسخرية مستترة. مها قالت بنبرة رقيقة وزائفة:
ـ “يا جمال والله حرام عليك، غادة ست بيت شاطرة جداً وبتتعب في البيت، وده أكيد بيأثر عليها. وبعدين مابتشوفش المجهود اللي بتعمله مع الولاد؟ ربنا يعينها.”
جمال ضحك ضحكة قوية ومهينة، ورجع جسمه لورا على الكنبة وقال:
ـ “مجهود إيه بس يا مها؟ ما كل الستات بتتعب وبتتعب، بس في ست بتفضل محافظة على نفسها وجمالها، وست بتستسلم وبتسيب نفسها لحد ما تتبهدل. غادة يا حبيبتي، إحنا بس عايزين مصلحتك.”
كلامه كان زي الرصاص في قلب غادة، حست إنها عايزة تصرخ وتزعق وتقوله “أنت اللي بهدلتني! أنت اللي كسرتني بقسوتك!” بس مكنتش قادرة، خانتها دموعها اللي نزلت غصب عنها وهي بتبصلهم بغضب مكبوت وقهر عظيم.
في اللحظة دي، تليفون مها رن. ردت مها بصوت ناعم، وبعد مكالمة قصيرة، قامت مها من مكانها وقالت:
ـ “أوه! معلش يا جمال، لازم أمشي دلوقتي، عندي مشوار مهم. شكراً جداً ليكي يا غادة على المكواة، تعبتك معايا.”
جمال قام وقف وقال بلهفة:
ـ “خلاص، خليني أوصلك لباب الشقة يا مها، الوقت اتأخر.”
مها مشيت وجمال مشي وراها، وترك غادة واقفة في الصالة، وحيدة، مكسورة، وحاملة هم كلمات جمال القاسية وضحكة مها المهينة. بصت للكرسي الفاضي اللي كانت قاعدة عليه مها، حست إنها بتشوف فيه “غادة” اللي كانت ممكن تكون، “غادة” اللي كانت ممكن تكون محبوبة ومقدرة، بس النهاردة، حست إن “غادة” دي اختفت، وإن “غادة” اللي باقية هي بس “كراكيب قديمة” زي ما جمال قال.


