كـ ـسـ ـر الخواطر 1

جمال رجع من عند الباب وهو بيصفر ووشه منور، دخل الصالة ولا كأن في واحدة واقفه ميتة بالحيا قدامه. بص لغادة اللي لسه واقفة مكانها زي الصنم، وقال ببرود وهو بيعدل قميصه:
ـ “شوفتي الستات اللي تفتح النفس؟ شوفتي الشياكة والريحة اللي ترد الروح؟ مش تقوليلي فستان وعايزة أفرح نفسي.. افرحي في العبايات السودة يا غادة، دي اللي تليق على واحدة زيك استسلمت وبقت شبه الكنبة اللي قاعدة عليها.”
غادة بصتله وعينيها حمرا من كتر كتم العياط، صوتها طلع مهزوز ومبحوح:
ـ “ليه بتعمل فيا كده يا جمال؟ أنا قصرت معاك في إيه؟ البيت، الولاد، أكلك، شربك.. أنا مابنامش عشان أرسيكم على بر، وفي الآخر بتهيني قدام جارتنا؟”

 

جمال ضحك بسخرية وهو بيقلع ساعته ويرميها على التربيزة:
ـ “أدي النكد اللي بنهرب منه! قصرتي؟ لا يا ستي مقصرتيش في الطبيخ والكنس، بس قصرتي في حق نفسك وحقي كراجل عايز يشوف أنثى قدامه مش خدامة بتجري ورا العيال. مها اللي انتي مستصغراها دي، جوزها بيشيلها من على الأرض شيل عشان هي عارفة قيمة نفسها، مش زيك دافنة نفسك في الحلل.”
قرب منها خطوة وبص لوشها بتمعن قاسي وكأنه بيشرح جــ,,ـثة:
ـ “بصي لمسامات وشك، بصي للهالات اللي تحت عينك.. انتي فاكرة الفستان كان هيغير فيكي إيه؟ كان هيخليكي مها؟ الفستان كان هيتظلــ,,ـم على جسمك يا غادة. نصيحة مني، وفري فلوس الفستان وهاتي بيهم لبس مدرسة للعيال، أو خليهم عشان أجيبلك عباية تقيلة للشتا الجاي، أهو السواد يليق بيكي.”
سابها ودخل الأوضة ورزع الباب وراه، رزعة الباب كانت هي “الطلقة” الأخيرة اللي قضت على أي أمل لغادة في الراجل ده. وقفت غادة لوحدها في الضلمة، صوت ضحكة مها وهي نازلة على السلم لسه بيرن في ودنها، وكلام جمال بيتعاد في عقلها زي الشريط المشروخ “كراكيب قديمة.. خيش.. عبايات سودة”.

 

راحت ناحية الشباك، شافت مها وهي بتركب عربية تكسي في الشارع، الفستان كان بينور تحت كشافات الشارع.. غادة مسكت حرف العباية السودة اللي لابساه وشدته بقهر وهي بتهمس لنفسها:
ـ “أنا فعلاً بقيت كراكيب يا جمال؟ أنا اللي ضيعت عمري عشانك بقيت خيش؟”
بصت في المراية الكبيرة اللي في الصالة، وبدأت تفك طرحتها ببطء، وشعرها نزل على كتافها.. كان مطفي، بس ملامحها لسه فيها “باقي” جمال مدفون تحت جبال التعب. وفجأة، عينيها لمحت حاجة على الأرض.. كانت “دبوس” فستان مها وقع منها وهي بتتمايل قدام جمال.
غادة وطت جابت الدبوس، وضغطت عليه في إيدها لحد ما دمها نزل.. الوجع في إيدها كان أهون بكتير من وجع قلبها، وفي اللحظة دي، نظرة عينيها اتغيرت.. الكسرة بدأت تتحول لحاجة تانية خالص، حاجة شبه “الانتقام” أو “التمرد”.

 

 

 

فتحت غادة إيدها وبصت لنقطة الدم اللي سالت من جرح الدبوس، متمجعتش ولا صرخت، الوجع ده كان أرحم بكتير من وجع الإهانة اللي لسه بيغلي في عروقها. بصت لباب الأوضة اللي جمال رزعها في وشها، وقررت إنها مش هتدخل تنام جنبه النهاردة.. مش قادرة تشم ريحته ولا تسمع نفسه وهو نايم مرتاح بعد ما دبحها بكلمتين.
فرشت ملاية قديمة على الكنبة في الصالة، وقعدت في الضلمة، عينيها واسعة ومش جايلها نوم. شريط حياتها مع جمال كان بيمر قدامها.. افتكرت لما كانت عروسة، لما كان بيقولها “انتي ست البنات”، وإزاي مع الوقت والعيال وطلباته اللي مابتخلصش، بدأ يسحب منها روحها حتة حتة، لحد ما حولها لـ “خادمة” برتبة زوجة، وبعدين عايرها بالنتيجة اللي هو وصلها ليها!
تاني يوم الصبح، جمال صحي وكأن مفيش حاجة حصلت، طلع الصالة وهو بيتمطع وبيقول بصوت عالي:
ـ “فطرتي الولاد يا غادة؟ وجهزتيلي الفطار ولا لسه النكد مأثر عليكي؟”

 

غادة قامت من على الكنبة ببرود غريب، ماردتش عليه، دخلت المطبخ وحطت قدامه الجبنة والعيش من غير كلمة واحدة. جمال بص للأكل بقرف وقال:
ـ “إيه ده؟ فين الفول والبيض؟ ده فطار يتفطر بيه؟ شوفي مها جارتنا بتنزل الصبح تجيب لبيتها فطار سخن ويفتح النفس إزاي، وانتي حتى الفطار مستخسرة تعمليه!”
غادة لفت وشه ليه، وبصتله بنظرة خلت جمال يسكت للحظة، نظرة كان كامله على جروبى الكاتبه المتميزه امانى سيد فيها “قوة” مش هوان، وقالت بصوت هادي ومرعب:
ـ “مها بتنزل تجيب فطار لأنها لسة بتلبس فساتين وبتتشيك، إنما “الكراكيب” اللي زيا يا جمال مبيعملوش أكتر من اللي قدامك ده.. لو مش عاجبك، ابقى اطلب من مها تعملك فطار وهي بتكوي فستانها.”
جمال وشه احمر من الغضب، وقام وقف ورفع إيده وكأنه هيضرــ,,ـبها:
ـ “انتي بتطولي لسانك يا غادة؟ انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟”

 

غادة متهزتش، فضلت واقفة مكانها وعينيها في عينيه:
ـ “مش هنسى يا جمال.. مش هنسى كلمة قولتلي عليها، ولا نظرة قرف شوفتها في عينك. اضرــ,,ـب لو عايز، بس الضرــ,,ـب مش هيخلي الخيش يبقى حرير، والضرــ,,ـب مش هيرجعني أحبك تاني.”
جمال نزل إيده ببطء، وحس إنه لأول مرة مش قادر يكسرها بكلامه، فقال بلهجة فيها احتقار وهو بيخرج من باب الشقة:
ـ “انتي فعلاً اتجننتي.. خليكي في نكدك، أنا ماشي، وأما أرجع مش عايز أشوف وشك ده غير وأنا باكل.”
رزع الباب وراه، وغادة فضلت واقفة مكانها. في اللحظة دي، سمعت خبط رقيق على الباب.. راحت فتحت وهي بتمسح وشها، لقت مها واقفة، بس المرة دي كانت لابسة لبس خروج “كاجوال” وشيك جداً، وفي إيدها كيس صغير:

 

 

ـ “صباح الخير يا غادة.. معلش جيت في وقت مش مناسب؟ أصل جمال قالي إنه بيحب الكيكة بالبرتقال جداً، فعملت واحدة وقولت أدوقكم منها.. أصل جمال بصراحة مبيحبش يكسفني وأنا قولت أعوضك عن تعب المكواة بتاع امبارح.”
مها دخلت الشقة من غير ما تستأذن، وبدأت تتفرج على العفش بنظرات فاحصة كأنها بتقيم المكان، وقالت بخبــ,,ـث:
ـ “يااااه يا غادة، الصالة دي محتاجة تتغير خالص، الألوان قديمة أوي.. بس طبعاً انتي معذورة، مع العيال والبيت مفيش وقت للذوق والشياكة.. جمال كان لسه بيشتكيلي من الضلمة اللي في البيت هنا.”
غادة بصت للكيكة اللي في إيد مها، وبصت لوش مها اللي كله لؤم، وقررت إن السكوت مابقاش ينفع..

 

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى