
غادة بصت للكيكة وبعدين بصت لمها بنظرة باردة خلت مها ترتبك للحظة، غادة مدت إيدها وأخدت الكيس منها وقالت بابتسامة باهتة:
ـ “كتر خيرك يا مها.. تعبتي نفسك. بس جمال مابقاش يحب كيكة البرتقال، أصلها بتعمله حموضة، والظاهر إنه نسى يقولك وهو بيشتكيلك من ضلمة البيت.”
مها ضحكت بضيق وحاولت تداري كسفتها وهي بتعدل خصلة من شعرها:
ـ “يا خبر! معلش مكنتش أعرف.. بس عموماً جمال ذوقه عالي أوي، وأنا قولت أدوقه حاجة من إيدي، أصل الراجل بيحب التجديد يا غادة، وانتي عارفة بقى الرجالة وعينيهم اللي بتزوغ.”
غادة قربت منها خطوة، وبقت المسافة بينهم سنتيمترات، وهمست في ودنها بصوت واطي بس يخوف:
ـ “الرجالة عينيهم بتزوغ لما مبيلاقوش اللي يملى عينهم في البيت يا مها.. وأنا وجمال حكايتنا كبيرة أوي، أكبر من مجرد فستان أو كيكة. ومتقلقيش، الضلمة اللي جمال شافها هنا، أنا ناوية أنورها.. بس بطريقتي.”
مها حست إن غادة اتغيرت، مقتش غادة المكسورة بتاعة امبارح، فانسحبت ببرود وقالت وهي ماشية لباب الشقة:
ـ “طيب يا حبيبتي، أنا قولت أوجب بس.. هسيبك بقى تشوفي وراكي إيه، وأبقي قولي لجمال إن الكيكة تعجبني رأيه فيها لما يقابلني.”
قفلت غادة الباب، ورمت الكيس في الزبالة من غير ما تفتح حتى تشوف الكيكة. دخلت أوضتها، فتحت الدولاب وطلعت العبايات السودة كلها، رمتها على السرير وبصتلها بقرف. مسكت مقص كبير، وبدأت تقطع فيهم واحدة ورا التانية وهي بتفتكر كلام جمال: “الخيش.. الكراكيب.. السواد يليق بيكي”.
وهي بتقطع، لقت في جيب واحدة من العبايات “فيزا” كانت شايلاها للطوارئ، فيها قرشين كانت محوشاهم من وراه من مصاريف البيت والدروس بتاعة الولاد. بصت للفيزا وابتسمت، وقالت لنفسها:
ـ “بقى أنا كراكيب يا جمال؟ طيب.. الكراكيب دي هي اللي هتعلمك يعني إيه ست.”
نزلت غادة في نفس اليوم، راحت لأكبر “بيوتي سنتر” في المنطقة. دخلت وهي لابسة آخر عباية سودة سليمة عندها، والناس هناك بصولها باستغراب. قعدت على الكرسي وقالت للكوافيرة:
ـ “عايزة أقص شعري، وأغير لونه تماماً.. وعايزة تنظيف بشرة، وماسك لبشرتى ، وضوافيري دي عايزة أشوفها بتلمع.”
الكوافيرة سألتها بابتسامة:
ـ “تحبي لون إيه يا مدام؟”
غادة ردت بثقة:
ـ “عايزة لون يخلي اللي يشوفني ميعرفنيش.. عايزة لون يحسسني إني لسه عندي ٢٠ سنة، مش ٣٣.”
خلصت غادة ورجعت البيت قبل ما جمال يوصل، كانت مجهزه مفاجأة تانية. دخلت الشقة، شالت الستاير القديمة الغامقة، وفتحت الشبابيك على آخرها عشان الشمس تدخل. دخلت المطبخ، وعملت أكل لنفسها ولأولادها بس، ومجهزتش لجمال ولا لقمة.
على الساعة ٤، الباب اتفتح ودخل جمال وهو حاطط إيده في جيبه ووشه مقلوب، أول ما دخل شم ريحة بخور وعطور في البيت، بص للصالة لقى الستاير متغيرة والبيت منور. نادى بزعيق:
ـ “يا غادة! إيه اللي انتي عاملاه في البيت ده؟ وفين الغدا؟”
غادة خرجت من الأوضة ببطء.. كانت لابسة فستان بيت شيك جداً، لونه “روز” هادي، وشعرها مقصوص “كاريه” ولونه “بني فاتح” وفيه لمعة تخطف العين، ووشها كان منور ومكياجها رقيق جداً.
جمال تنح، سكت خالص ومبقاش عارف ينطق، فضل باصص لها من فوق لتحت بذهول، كأنه شايف ست تانية خالص غير غادة “الخيش” اللي كانت هنا الصبح.
غادة بصتله ببرود وقالت وهي بتبرد ضوافرها:
ـ “الغدا في المطبخ يا جمال، بس ليك لوحدك.. أنا والولاد اتغدينا خلاص. ولو مش عاجبك، ممكن تطلب من مها تعملك غدا، أصلها لسه باعتة كيكة برتقال والظاهر إنها عايزة توجب معاك أوي.”
جمال بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز:
ـ “إيه اللي انتي عاملاه في نفسك ده؟ ومين سمحلك تقصي شعرك وتصرفي الفلوس دي كلها؟”
غادة قربت منه، وضحكت ضحكة رقيقة وساخرة في وشه:
ـ “أنا اللي سمحت لنفسي يا جمال.. أصل الكراكيب لما بتقدم، لازم تترمى، وأنا قررت أرمي غادة القديمة وأعيش حياتي. مش انت قولت الفستان محتاج ناس معينة؟ أنا بقى بقيت من الناس دي.. بس لسه مجبتش الفستان، مستنية حد يقدر جماله بجد يهديهولي.”
جمال وقف مكانه مذهول، عينه مش قادرة تنزل من على غادة “الجديدة”. ملامحها اللي كانت باهتة نورت، وقصة شعرها واللون الجديد خلوها فعلاً تبان أصغر بعشر سنين. بس الكلمة اللي قالتها في الآخر “مستنية حد يقدر جماله بجد يهديهولي” نزلت عليه زي الصاعقة.
عروق وشه برزت، وعينه بدأت تطلع شرار من الغيرة، قرب منها خطوة وهو بيحاول يمسك أعصابه وقال بصوت واطي ومخيف:
ـ “تقصدي مين يا غادة؟ مين ده اللي مستنية يهديكي فستان؟ انتي فاكرة نفسك فين؟”
غادة بصتله ببرود تام، ولا اتهزت من نبرة صوته، كملت برد ضوافرها وقالت بمنتهى الهدوء:
ـ “أقصد اللي عينه بتشوف الجمال ويقدره يا جمال.. مش اللي بيشوف مراته “خيش” و”كراكيب”. الدنيا مليانة ناس بتعرف قيمة الحاجة الغالية قبل ما تتدبل، وأنا الظاهر كنت ظالمة نفسي أوي معاك.”
جمال مسك دراعها بقوة وهو بيجز على سنانه:
ـ “انتي اتجننتي رسمي! أنتي لسه ذمتي، ومراتي.. سامعة؟ يعني مفيش حد يديكي حاجة ولا يهديكي زفت، والفلوس اللي صرفتيها دي هتتحاسبي عليها قرش قرش.”
غادة سحبت دراعها منه بقوة غير متوقعة، وبصتله بتحدي:
ـ “الفلوس دي حقي، شقايا وتدبيري في البيت اللي كنت بتقول عليه ضلمة. وبالنسبة لـ “ذمتك”، فإنت اللي خرجتني منها يوم ما قولتلي روحي اخدمي مها واكوي فستانها عشان هي أنثى وانتي لا. اللي يقدرني يا جمال هو اللي يستاهلني، وانت للأسف.. بعتني برخيص.”
سابته ودخلت المطبخ تجيب كوباية مية، وهو فضل واقف في الصالة يغلي. فجأة، سمع صوت رسالة على موبايل غادة اللي كان محطوط على الترابيزة. جمال هجم على الموبايل زي المجـ .ـنون، بس لقى الموبايل مقفول بـ “بصمة” أو “كلمة سر” غادة لسه عاملاها.


