
أحمد رفع راسه وبص لي بعيون حمراء: “أنا مكنتش عايز أقولك عشان مكسرش فرحتنا.. منال كانت عايزاني أتجوز بنت خالتها ‘سلوى’.. وكانت هي اللي بتشتري الهدوم دي بالذوق ده عشان تجهز الشقة لسلوى، مش ليكي!”
الصدمة كانت تقيلة.. كمل أحمد وهو بيحاول يقرب مني: “لما صممت عليكي إنتِ، منال اتجننت.. بس أنا قلتلها خلاص الموضوع انتهى، والهدوم دي أنا دفعت تمنها ليكي إنتِ، ومحدش هيعرف حاجة.. كنت فاكر إنها نسيت، بس هي لسه شايلة جواها وعايزة تثبتلك إنها صاحبة فضل في اختيار ذوقك.”
رجعت خطوة لورا: “يعني أنا بلبس على ذوق واحدة تانية؟ وإنت كنت بتضحك عليا وتقولي ذوقك يجنن يا حبيبتي؟ ده إنت كنت بتشوف فيا صورة حد تاني!”
أحمد قام بسرعة ومسك إيدي: “والله أبدًا! أنا نسيت سلوى ومنال وكل الدنيا لما شوفتك.. الهدوم دي بقت بتاعتك إنتِ من يوم ما دخلتي البيت ده.. منال هي اللي حية، بتنفث سمها عشان تخرب اللي بيننا.”
في اللحظة دي، سمعت صوت رنة موبايل أحمد.. بصيت على الشاشة لقيت اسم “منال”.. أحمد قفل الخط بسرعة، بس هي بعتت رسالة صوتية، وصوتها كان عالي لدرجة إني سمعته وهو لسه ماسك الموبايل.
صوت منال كان طالع فيه شماتة غريبة: “يا أحمد.. قول للست هانم إن الدولاب لسه فيه ‘شنطة’ مخبية ورا الهدوم الشتوي.. الشنطة دي فيها صورك مع سلوى في الخطوبة اللي مكملتش.. خليها تشوف الصور عشان تعرف إنها كانت مجرد ‘بديلة’ في اللحظة الأخيرة!”
بصيت لأحمد بذهول.. وهو وشه بقى لونه أزرق.. جريت على الدولاب وبدأت أرمي الهدوم الشتوي في الأرض بهستيريا، لحد ما إيدي لمست شنطة سودة صغيرة مستخبية في أخر الرف.
أحمد حاول يمنعني وهو بيصرخ: “يا نيرة اسمعيني! الشنطة دي كانت منسية والله، منال هي اللي حطتها هنا تاني عشان توقعنا في بعض!”
فتحت الشنطة بإيد بترعش.. وطلعت منها صور.. أحمد وسلوى وهما بيضحكوا، وفي نفس الصالة دي، وعلى نفس السرير ده!
رميت الصور في وشه وقلتله بصوت طالع من محروق: “إنت محتفظ بالصور دي هنا؟ وفي أوضة نومي؟ منال دخلت تقيس الهدوم عشان تفكرني إني ضيفة في بيت كان لغيري.. وإنت كنت بتضحك عليا كل يوم!”
أحمد نزل على ركبه وهو بيحلف: “والله ما شفت الشنطة دي من يوم ما اتجوزنا.. منال معاها نسخة من المفتاح ودخلت حطتها النهاردة لما كنتِ مريحة.. هي عايزة تطلقنا يا نيرة!”
بصيت للصورة الأخيرة اللي كانت في إيدي، ولقيت مكتوب على ضهرها بخط إيد منال: “البيت ده بتاعنا.. وإنتِ مجرد ضيفة مؤقتة.”
أخدت شنطة هدوئي الكبيرة وبدأت أحط فيها حاجتي وأنا بعيط.. أحمد مسكني بقوة: “إنتِ رايحة فين؟ هتسيبيها تنتصر عليكي؟ هتسيبيها تاخد اللي هي عايزاه؟”
وقفت وبصيت له بكسرة: “المشكلة مش في منال يا أحمد.. المشكلة فيك إنت.. إنك سمحت لها تفضل شايفة إن ليها حق في حياتنا.. وإنك خبيت عليا الماضي لحد ما بقى هو اللي بيطاردني في أوضة نومي.”
خرجت من الأوضة، ومنال كانت لسه واقفة تحت البيت، وشافتني وأنا نازلة بشنطتي.. ابتسمت ببرود وطلعت موبايلها كأنها بتبشر حد بالنصر.
ركبت تاكسي وأنا مش عارفة أروح فين.. بس كنت عارفة إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن “حكايات رومانى مكرم” دايمًا فيها سر بيغير الموازين في أخر لحظة.
نزلت من التاكسي قدام بيت أهلي، والشنطة في إيدي تقيلة زي همي.. كنت حاسة إن نظرات “منال” وهي واقفة تحت البيت لسه محاوطاني، نظرة نصر مسموم كأنها بتقولي: “إإحنا الأصل وأنتِ الصورة”.
دخلت البيت، وأمي أول ما شافتني بالشنطة وبالحالة دي صرخت: “يا لهوي يا نيرة! في إيه يا بنتي؟ أحمد حصل له حاجة؟”
رميت الشنطة من إيدي وقلت بجمود مرعب: “أحمد محصلوش حاجة.. أحمد طلع عايش في كذبة كبيرة، وأخته هي اللي ماشية الخيوط.”
حكيت لأمي كل حاجة.. عن دخلة منال أوضة نومي، عن الهدوم اللي طلعت ذوق عروسة تانية، وعن الصور اللي كانت مستخبية في دولابي. أمي سكتت شوية وقالتلي كلمة غريبة: “يا بنتي، اللي يشتري العفش والهدوم لغيرك ويفرشهولك، يبقى كان ناوي يسكن غيرك.. بس النصيب جابك أنتِ. بس السؤال، أحمد لسه بيحب ‘سلوى’ دي؟”
الكلمة وجعتني.. “هل أنا كنت سد خانة؟”
قعدت في أوضتي القديمة، ومسكت الموبايل.. لقيت عشرات المكالمات من أحمد، ورسالة واحدة من “منال” كاتبالي فيها: “نورتي بيت أهلك يا حبيبتي.. الشنطة اللي خدتيها معاكِ فيها طقمين بتوعي، يا ريت تبعتيهم مع حد عشان جوزي مستنيهم!”
في اللحظة دي، الغضب اتحول لبرود قاتل.. قمت وفتحت الشنطة، وطلعت الصور اللي خدتها معايا كدليل.. فضلت أبص في الصور بتركيز، لحد ما لفت نظري حاجة في خلفية الصور اللي اتصورت في أوضة نومي.
في الصورة، أحمد وسلوى واقفين بيضحكوا، ووراهم على الكومودينو كان فيه “علبة قطيفة” مفتوحة وفيها خاتم غريب جدًا.. خاتم ماس قديم (سوليتير) بس تصميمه أثري، مش بتاع محل دهب عادي.
افتكرت كلام أحمد لما خطبني وهو بيلبسني الشبكة: “الخاتم ده ورث عن جدتي، ومحدش لبسه غيرك يا نيرة”.
بصيت للصورة تاني.. الخاتم اللي في إيد سلوى هو نفسه اللي في إيدي دلوقتي!
يعني أحمد كذب عليا حتى في أغلى حاجة بملكها منه.
فجأة، الباب خبط.. قمت فتحت لقيت أحمد واقف، وشه دبلان وعينه منفوخة من كتر التفكير.
بص لي برجاء وقال: “نيرة.. ارجعي معايا، أنا طردت منال من حياتي، وغيرت كالون الشقة، ورميت كل حاجة تخص الماضي.. والله ما بحب غيرك.”
طلعت الخاتم من إيدي وحدفته في صدره وقلتله بصوت واطي ومرعب: “والخاتم ده يا أحمد؟ برضه بتاع جدتك ومحدش لبسه غيري؟ ولا ده اللي لبسته لسلوى ورجعتهولك لما فركشتوا فقلت توفر وتلبسهولي؟”
أحمد اتصدم، وبص للخاتم ولساني عجز عن النطق.. وفي اللحظة دي، تليفوني رن برقم غريب.
رديت، لقيت صوت واحدة ست بتقولي بهدوء: “أنا سلوى.. أنا عارفة إنك دلوقتي بتكرهيني وتكرهي أحمد.. بس لازم تعرفي إن منال مش بتكرهك أنتِ، منال بتكره أي واحدة تدخل البيت ده.. والسر اللي في الشنطة لسه فيه جزء ناقص إنتِ مشفتيهوش.”
بصيت لأحمد اللي كان واقف مرعوب، وقلت لسلوى: “جزء إيه؟”
قالتلي: “شوفي الصور تاني يا نيرة.. شوفي ‘التاريخ’ اللي مكتوب بالكمبيوتر في ركن الصورة تحت.. وقارنيه بتاريخ فرحك.”
نزلت عيني على الصور بسرعة، ودققت في التاريخ الصغير.. صرخت من الصدمة والموبايل وقع من إيدي.
أحمد ارتبك وقال: “في إيه يا نيرة؟”
قلتله وأنا بضحك بهستيريا: “التاريخ يا كذاب! الصور دي متصورة من أسبوع واحد بس! يعني وأنا عند أهلي بقضي يومين، إنت كنت هنا مع سلوى ومنال بتفرشوا الشقة من جديد؟!”
أحمد انهار وبدأ يهلوس بالكلام، ومنال ظهرت فجأة من وراه في مدخل البيت وهي بتضحك بصوت عالي وقالت: “برافو يا نيرة.. كنت فاكراكي أذكى من كده وهتاخدي وقت أطول عشان تفهمي إنك كنتِ ‘تمثيلية’ عشان أحمد يداري على المصيبة اللي عملها مع سلوى!”
أحمد صرخ فيها: “اسكتي يا منال!”
بس منال كملت بشر: “لا مش هسكت.. لازم تعرف إن الشقة دي متباعة لسلوى من شهر، وإنك قاعدة في ملك غيرك يا شاطرة!”


